الرفيق المجاهد صلاح المختار - لماذا لا تريد أمريكا إسقاط النظام الإيراني ؟


في يوم 4-1-2018 حسمت أمريكا الغموض في موقفها من الانتفاضة الشعبية الإيرانية حينما أكد الناطق الرسمي باسم وزراة الخارجية الأمريكية بأن ( الإدارة الأمريكية لا تريد تغير النظام الإيراني بل تريد تغيير سلوكه في المنطقة ) ، وهذا التصريح جاء ضربة مؤلمة لمن توقع بأن إدارة ترامب تعمل جدياً على إسقاط النظام الإيراني ، وهنا تبرز الملاحظة الجوهرية التالية :

خلال أربعة عقود ثبت رسمياً وعملياً أن أحد أهم ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية هو حماية نظام الملالي في إسرائيل الشرقية عبر الرفض التام لإسقاطه ، وتجلى ذلك بلا غموض في مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة كارتر وحتى إدارة ترامب .

والسؤال الذي يحير البعض هو : لماذا تقوم أمريكا بشن حروب إعلامية ضد نظام الملالي لكنها في الواقع ورسمياً تدعمه وتساعده على البقاء وتقاوم بشدة أي محاولة لإسقاطه ؟ .

1- إحدى أبرز حقائق القرن الماضي هي أن النظام الكولونيالي الأوربي ( البريطاني والفرنسي ) ومن بعده النظام الامبريالي الأمريكي الذي ورثه تبنياً بعد اكتشاف النفط في الوطن العربي خطة إنشاء نظام صهيوني وسط الوطن العربي من يهود العالم ( نظرية الواحة الغربية وسط التخلف العربي ) ودعمه من قبل تركيا وإيران وأثيوبيا وأوغندا والسنغال ( نظرية شد الأطراف ) ، إضافة لإنشاء أنظمة عربية تابعة وتتعايش مع الكيان الصهيوني المقرر إقامته ، ثم تنفيذ خطة تفتيت العرب تدريجياً وتحويل كياناتهم القطرية إلى كيانات مجهرية قزمة ومقزمة وظيفتها أن تكون نطاق حماية للكيان الصهيوني وهكذا تتوفر شروط إحكام الغرب سيطرته على ثروات الوطن العربي وجعله من أهم مناطق الانطلاق لتدمير الشيوعية وحركات التحرر .

2- وضع الغرب استراتيجية عظمى في بداية القرن العشرين كي تنفذ خلال قرن من الزمان وبموجبها شكلت لجنة بنرمان ووضعت خطة السيطرة على الوطن العربي وصدر وعد بلفور وخطة سايكس بيكو ونفذ قرار تعزيز قدرة الدولة الأكثر استعداداً لمحاربة العرب وهي بلاد فارس فسدت نواقصها الجيوبولتيكية المانعة لها من لعب دور إقليمي يكبح أي انطلاقة نهضوية ووحدوية للعرب بضم الأحواز العربية إليها لوجود المياه والأرض الزراعية والنفط والغاز فيها وهي أهم ما لا يوجد في بلاد فارس وتحتاج لوجوده فيها لتصبح قوة إقليمية عظمى ، وصارأكثر من 80% من ثروتها يأتي من الأحواز ، وغير اسمها من بلاد فارس إلى إيران لإخفاء الطابع القومي العنصري لها ، وأُقيم الكيان الصهيوني وكان لابد من حمايته دولياً وإقليمياً وكانت إسرائيل الشرقية الدولة الأهم في هذا المخطط فحوصر العرب بين مطرقة في الغرب وسندان في الشرق .

أمريكا والصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة تخلتا عن الشاه محمد رضا بهلوي نتيجة فشله النهائي في شرذمة وتقسيم الأقطار العربية ، بل أن الشاه في سنواته الأخيرة أخذ يحاول التفاهم مع العرب لأجل توفير شروط نهوض إيراني امبراطوري قومي صريح وكانت اتفاقية الجزائر مع العراق في عام 1975 هي القشة التي قصمت ظهر البعير الملكي الإيراني ، ومما عجل في إسقاطه وصول المخابرات البريطانية ثم الأمريكية إلى أن السبب الرئيس لفشل الشاه في اختراق صفوف العرب وشرذمتهم كان الطبيعة القومية الفارسية لسياساته والتي زادت من حصانة العرب ضد النزعة الامبراطورية الإيرانية .

3-وبناء عليه ، فإن البديل الفاعل لنظام الشاه هو نظام ديني طائفي يستطيع تحت اسم الإسلام أو الطائفة اختراق العرب وضرب وحدتهم الوطنية وإضعاف ثم إزالة هويتهم القومية فجاء قرار إسقاط الشاه ودعم مجموعة الملالي خصوصاً أشدهم كرهاً للعرب وهو خميني ، ولهذا فإن نظام خميني لم يقع في خطأ التقدير حينما بدأ عمله باستهداف العراق ودول الخليج العربي رغم أنه رفع شعارات معادية لأمريكا والصهيونية بل كان يعمل وفق مخطط مسبق وأكدت مراسلاته مع الرئيسين جون كنيدي وجيمي كارتر والتي كشفت عنها المخابرات الأمريكية أن خميني وعدهما بجعل إيران تحت تصرف أمريكا وفي خدمتها .

4- كان نظام الملالي ومازال يعد العرب العدو الأول والأهم عملياً ، وهو ما تحتاج إليه أمريكا والصهيونية على المستوى الاستراتيجي العام ، ولدينا أمثلة كثيرة تؤكد بأن أحد أهم ثوابت السياسة الأمريكية هو دعم نظام الملالي ورفض إسقاطه :

أ- دعمت أمريكا وإسرائيل الغربية نظام خميني أثناء شنه الحرب على العراق لأجل غزوه وإسقاط نظامه الوطني وإيرانجيت مثال واحد فقط .

ب- وعند غزو العراق كان نظام الملالي مشاركاً في الغزو بواسطة نغوله في فيلق بدر وغيره وإعلان قادة النظام مراراً أنه ( لولا الدعم الإيراني لما نجحت أمريكا في غزو أفغانستان والعراق ) .

ج- وبعد الغزو قدم نظام الملالي الخدمة الأكبر له وهي توفير أحزاب وميليشيات تدعم الغزو والحكومة التي شكلها .

د- وعندما فشل الجيش الأمريكي في قهر المقاومة العراقية ووصل حد العجز عن تحمل خسائره المادية والبشرية سلم العراق لنغول إيران في العراق في عام 2011 ولم يسلمه لعملاءه الرسميين وهم كثر .

هـ - وعندما اندلعت الانتفاضة السلمية في عام 2013 وقفت أمريكا مع نظام نوري المالكي لقمعها بالحديد والنار .

و- والأهم أنه عندما وصلت المقاومة العراقية إلى مشارف بغداد وأخذت قواتها تطوق مطار صدام الدولي في أطراف بغداد عام 2014 تدخلت أمريكا بقواتها الجوية جنباً إلى جنب مع الحرس الثوري الإيراني الذي أدخل إلى العراق 15 ألف إيراني بقيادة قاسم سليماني لمنع المقاومة العراقية من تحرير بغداد .

ز- وأُطلقت داعش لتخرب عملية تحرير العراق .

ك- وكانت القوات الأمريكية هي العامل الأهم في تمكين قوات المنطقة الخضراء والميليشيات التابعة لإسرائيل الشرقية من تحقيق النصرعلى داعش بفضل قصفها الجوي والصاروخي ومعلوماتها الاستخبارية ، وكان من أهم الأهداف الصهيوأمريكية قد تحقق وهو التدمير الشامل لأهم مدن محافظات ديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى وتهجير أكثر من ثمانية ملايين عراقي من ديارهم ومدنهم ووطنهم وكل ذلك ما كان له أن يتم لولا الدعم الأمريكي الشامل ، فتدمير العراق وتمكين إسرائيل الشرقية ونغولها من السيطرة عليه لم يكن ممكناً أبداً بدون الدعم الأمريكي الشامل لنظام الملالي .

5- وتكرر ما حصل في العراق في سوريا واليمن ودول الخليج العربي وكافة الأقطار العربية ففي سوريا وبعد أن دعمت أمريكا منظمات إرهابية ظلامية كي تنهي الطابع الوطني والديمقراطي للانتفاضة السلمية وتحولها إلى صراع طائفي تم ذلك وحرفت الانتفاضة عن مسارها الأصلي وحصل خراب سوريا مدناً وجماهيراً وهجر 13 مليون سوري من وطنهم ودمرت أغلب المدن السورية في عملية لا تحققها إلا عشرات القنابل الذرية ، وأخيراً أُجهضت الانتفاضة السورية وأُعيدت للنظام الطائفي سيطرته على كثير من المناطق التي سيطرت عليها المعارضة ، والسؤال المنطقي هو : من وفَّرَ كافة شروط تدمير سوريا وإجهاض انتفاضتها الوطنية ؟ ، إنها أمريكا وقبل أي طرف آخر فكلنا نتذكر تحريضها الشامل لدول عربية وتركيا على إسقاط النظام ومنع أي حوار معه ولكن عندما وصلت المعارضة إلى قلب دمشق وكانت على وشك إسقاط النظام في عام 2012 وإذا بأمريكا تنقلب على موقفها الرسمي والذي ورطت فيه أقطار خليجية وتركيا وتتبنى موقف الحوار مع النظام فقط وترفض أي حل عسكري ! ، ثم تعاونت مع روسيا من أجل تحقيق هذا الهدف .

6- وفي اليمن رأينا نغول المخابرات الأمريكية واطلاعات الإيرانية يحولون التظاهرات المطلبية المشروعة إلى انتفاضة مسلحة ضد النظام وكان السفير الأمريكي هو المايسترو الموجه لمسار الأحداث وأوصلت المخابرات الأمريكية خصوصاً عبر المبعوث الأممي إلى اليمن بن عمر ومن خلال دعم الحوثيين الوضع اليمني لنفس ما أوصلت إليه الوضع العراقي والسوري والليبي وهو التشرذم والكوارث ! ، وفرضت أمريكا الفدرالية كحل للأزمة في سوريا والعراق واليمن وليبيا والفدرالية ليست سوى مقدمة لابد منها للتقسيم .

7- كل التهديدت المتبادلة بين أمريكا والكيان الصهيوني ونظام الملالي بشن الحرب لم تنفذ طوال أربعة عقود وبقي الدعم المتبادل بينها قائماً ويمثل أحد أهم ثوابت سياسات هذه الدولة المتناحرة ظاهرياً والمتعاونة باطنياً من أجل إكمال مخطط وضع منذ أكثر من قرن وينفذ بخطوات متعاقبة تكمل إحداها الأخرى .

8- بعض العرب لا يفهمون ما يجري رغم وضوحه فرسمياً أمريكا تبنت سياسات علنية أبرزها سياسة ( الاحتواء المزدوج ) والتي وجهت للعراق وإسرائيل الشرقية في التسعينيات من القرن الماضي في ظل إدارة بيل كلنتون ، ولكنها قالت بوضوح بأن المطلوب هو إسقاط النظام في العراق ولا مجال للحوار معه بينما يجب حل مشاكلنا مع النظام الإيراني بالحوار ولا يجوز استخدام القوة معه ، وهذا يشمل سياسة ( محور الشر ) التي وجهت ضد العراق وإسرائيل الشرقية وكوريا الشمالية .

في ضوء ما تقدم كيف نفهم الموقف الأمريكي من الانتفاضة الإيرانية الحالية ؟ ، من المستحيل فهم حقيقة الموقف الأمريكي من دون تذكر كل المواقف الأمريكية السابقة والتي أتت في تتابع تنفيذي لاستراتيجية عظمى قديمة لا يمكن التخلي عنها إلا بتحقيق أهدافها أو دحرها .

لقد فشلت كافة حروب الصهيونية والغرب ومخابراتهما في تفتيت الأقطار العربية بل كان عداء تلك الجهات عوامل تعزيز للوحدة الوطنية في كل قطر عربي وللهوية القومية العربية ولكن من نجح في نشر الفتن والتفتيت هو نظام الملالي بقدرته على تحشيد أحزاب وميليشيات تابعة له وهي جزء من شعبنا أو من أصول فارسية سكنت أقطارنا ، فاستخدمها لإضعاف الوحدة الوطنية في كل قطر وتهديد هويتنا القومية ووحدة أقطارنا فانتقلنا من الدعوة للوحدة العربية بصفتها أهم أهدافنا بلا منازع إلى النضال من أجل حماية الوحدة الإقليمية لكل قطر عربي من مخاطر الفتن الطائفية والعنصرية التي نشرها نظام الملالي وليس غيره وبدعم أمريكي وصهيوني وأوربي .

من هنا يمكن التوصل للجواب الحاسم حول موقف أمريكا وبريطانيا والصهيونية ومن الانتفاضة الإيرانية ، فهذه الجهات وقفت موقفاً سلبياً حتى الآن منها وتركزت أهدافها رسمياً على مطالبة النظام والمعارضة بعدم استخدام العنف وتلبية مطاليب المتظاهرين وهو نفس مطلب حسن روحاني الرئيس الإيراني ! ، كما يجب التذكير بأن الإعلام الغربي يقف من الانتفاضة موقفاً سلبياً مختلفاً كلياً عن موقفه من الإعداد لشن الحرب على العراق في عام 1991 وفي عام 2003 حيث جند الإعلام الغربي والصهيونية لشيطنة النظام الوطني تمهيداً لعزله عن الرأي العام وإسقاطه ، وسبق هذا الموقف موقف آخر مشابه وهو موقف الإعلام الغربي عندما اندلعت الانتفاضة ضد الشاه في عامي 1978 و1979 فقد وقف الإعلام البريطاني والفرنسي والأمريكي كله مع الانتفاضة وروج لخميني بالذات وكان ذلك الدعم الإعلامي الشامل والمباشر من أهم عوامل تصعيد حدة الانتفاضة ونجاحها ، وتوج الموقف الأمريكي والأوربي السلبي من الانتفاضة الحالية بتصريح رسمي حاسم للناطق باسم وزراة الخارجية الأمريكية والمشار إليه ، فلم كل ذلك ؟ ، السبب الواضح كشمس تموز وهو أن أمريكا ومعها بريطانيا وأطراف أوربية أخرى والصهيونية تريد إكمال مخطط تقسيم الأقطار العربية والطرف الوحيد القادر على تحويل الفوضى الهلاكة التي نشرتها أمريكا إلى تقسيم هو نظام الملالي وليس غيره ، فهو الشريك الإقليمي للقوى الغربية والصهيونية إضافة لكونه يعمل لتحقيق أهدافه القومية الخاصة ، ولهذا لن تفرط به أمريكا الآن وهو في منتصف طريق تقسيم الأقطار العربية .

انتبهوا ياحكام العرب ولا تقعوا في الفخ مرة ثانية فلئن خدعتكم أمريكا مرة فلا يجوز أن تخدعكم مرة ثانية وثالثة ورابعة وإلا فإنكم ......... وهذا النداء موجه قبل الأنظمة للجماهير والقوى السياسية : اعتمدوا على أنفسكم ولا تخدركم أمريكا بأمل أنها ستضرب نظام الملالي فهي لن تضربه الآن . وأن أقصى ما قد تفعله هو تغيير رموزه فقط مع بقاء هياكله الأساسية لفترة تغطي عملية تقسيم الأقطار العربية .

Almukhtar44@gmail.com

4-1-2018