الرفيق المجاهد صلاح المختار - هل يجدد العراق شبابه أم يُقسم ؟ - الحلقة الأولى



هل يجدد العراق شبابه أم يُقسم ؟

( الحلقة الأولى )

صلاح المختار


يقول الطب الحديث : تموت في جسم الإنسان حوالي 40 ألف خلية كل ساعة ، وفي اليوم الواحد تموت حوالي مليون خلية جلدية من أصل 40 تريليون خلية ، لأن الجسد الحي تموت خلاياه العتيقة التي لم تعد تصلح للبقاء تاركة المجال لخلية جديدة لتحل محلها ليبقى الجسد الإنساني نبع حيوية دائمة تتدفق فيه ومنه ، وهكذا هو العراق ، ما إن يمرض ويتعب تبدأ الخلايا الميتة بالتساقط وتصعد محلها الخلايا الجديدة لتُبقي جسد العراق قوياً خالداً بتجدده مهما أُحرق ومرض .

واليوم تعود الأبواق لتعزف نفس الاسطوانة التي لعتقها وانكشاف بطنها المملوءة قيحاً تشرخت لتعيد القول بأن ( العراق سيقسم ) وتنثر قصصاً عن إقليم سني وهي قصص أكل منها الخرفان حتى أصابتهم رعشة " الباركنسون " ، وبقي العراق مهاباً عظيماً طوال ستة عشر عاماً من القهر والكوارث يواجه سرطانات الشر كلها غربية وشرقية ويخرج أصح وأقوى وأصلب وأوضح .

ولعل أبرز أدلة خرف الخرفان المروجين لقصة الاقليم السني وتقسيم العراق هو أن توقيت طرحها تزامن مع تقدم أعظم ثورة في تاريخ العراق تفجرت في ( جبال ) الجنوب العراقي المبنية من أحجار جلجامش وبابل ونبوذخذ نصر وصلاح الدين ، في تكامل عضوي مع الثورة العراقية المسلحة التي انطلقت من الوسط والشمال والغرب العراقي بعد غزو تتار العصر له في عام 2003 ، فنهض العراقي مقاوماً باسلاً للاحتلال الأمريكي وأثخنه جراحاً وأجبره على لملمة أشلاء جنوده وتضميد جراحه والهرب موكّلاً إسرائيل الشرقية لتكمل مهمة تدمير وتقسيم العراق ، لكنها وكما فشلت أمريكا على يد مقاومة الوسط والشمال فإن التوكيل الإيراني نسفته مقاومة رجال براكين الغضب العراقية في الجنوب في عملية استكمال عضوية لهدف تحرير العراق من كل غاز ومهما كان اسمه ورسمه .

توقيت عودة الحديث عن تقسيم العراق ساذج لأن العراق اليوم وبعد الثورة الآتية من الجنوب والزاحفة نحو كل مدن وقرى العراق تصهر كل فولاذ وتزيح رواسي الجبال من طريقها وتعيد تجديد خلايا قلب العراق وعقله ودمه ، مؤكدة بأنه صخرة صماء قدت من ماس لا مسامات فيها تسمح بدخول إبرة فيها ، لذلك رأينا الجميع وأكرر " الجميع " خارج العراق ما بين قلق ونافق فرقاً من عظمة الثورة العراقية حتى أولئك الذين رحبوا بها ظناً منهم أنها يمكن أن تتماهى مع بعض أهدافهم نراهم الآن يتباطؤون في مواقفهم خوفاً من عواقبها غير القابلة للاحتواء .

وهكذا نفهم لِمَ تعود اسطوانة تقسيم العراق لإسماعنا صوتها الزاعق والمزعوق ، والراعب والمرعوب مبشراً بإقليم سني يمهد لتقسيم العراق ، ونرى الأصابع التي تدير الاسطوانة ترتجف خوفاً من الثوار أكثر من خوفها من إرهاب خامنئي ! ، هل بالإمكان تقسيم العراق الآن وبعد أن انتفض الجسد العراقي كله من الجنوب إلى الشمال ونفض خلاياه الميتة ووقف فتياً قوياً يرعب من يبتسمون بوجهه فرقاً رغم أنهم أخفوا بنادقهم التي اغتالوا بها شبابه وشاباته وشيوخه ؟ ..

ثلاثة قوى من مصلحتها تقسيم العراق وخططت وعملت من أجل هذا الهدف الاستراتيجي :

1- إسرائيل الغربية فهي الأكثر حاجه إلى تقسيم العراق وتدميره لضعفها واصطناعها التي جعلتها جسماً غريباً ترفضه المنطقة وبشرها ، والعراق هو بابل الشبح العتيق الذي يجعل النوم يفر من عين كل صهيوني عندما ترد كلمة العراق لذلك كان تحطيم بابل أول أهدافها .

2- إسرائيل الشرقية هي الأكثر خطورة وحاجة لغزو العراق وجعله مستعمرة لها ، فإن نجحت تحافظ على وحدته تحت سيطرتها دون تقسيمه ، ولكن إن كان هناك من يعرقل سيطرتها عليه أو ينافسها تضم إليها القسم الذي تستطيع السيطرة عليه فتقسمه ، والعراق بالنسبة لبلاد فارس هو ( دم الحياة ) لمشروعها القومي الاستعماري وبدونه لن تقوم قائمة لهذا المشروع ، لذلك فإن هدف زوال العراق هو القاسم المشترك بين الاسرائيليتين الغربية والشرقية .

3- الغرب ، خصوصاً أمريكا وبريطانيا ، فهذه الكتلة لها مصالح استعمارية وامبريالية في المنطقة وتقسيم أقطار الوطن العربي مشرقاً ومغرباً الشرط الأهم لنجاح غزوه استناداً للمبدأ الكولنيالي ( فرق تسد ) ، فهو الممر الأوسع للنهب الامبريالي .

وهناك أطراف أُخرى غير ما ذكر لها مصلحة أيضاً في تقسيم الأقطار العربية وتقاسمها ولكننا لسنا الآن بصددها لأن دورها الآن ثانوي ، وبناء على ما تقدم نرى أن الأكثر خطورة بين هذه الأطراف هو إسرائيل الشرقيه لأنها أمة متكونة ولها هوية قومية تحركها نخبها العنصرية بقوة المطامع الاقليمية والادعاءات التاريخية وهي نخب متماسكه تربطها لحمة أمة موجودة وطبيعية وليس أمة غير موجودة ومصطنعة مثل إسرائيل الغربية التي هي عبارة عن لملوم متنافر مصدر قوته الرئيس دعم الغرب له ، ولذلك ، فإن الأولوية الطاغية وبلا منازع في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة هي دحر الخطر الفارسي الأخطر والأهم والأكثر قدرة .

ما هي الخطوات التي نفذت سابقاً لتمهد لتقسيم العراق ؟ ، إن أهم مقدمات التقسيم هي :

1- هجّر عراقيون عرب بعد غزو العراق وصل عددهم إلى ما بين 5-6 ملايين الى خارج العراق .

2- أُجبر حوالي ثلاثة ملايين عربي على النزوح من مدنهم وقراهم إلى مناطق أُخرى من العراق .

3- استورد أكثر 8 ملايين إنسان غير عراقي في شمال العراق لأكراد من سوريا ولبنان وغيرها ويقدر عددهم بمليوني كردي غير عراقي ، وأدخلت إسرائيل الشرقية حوالي ستة ملايين فارسي وأفغاني وباكستاني وغيرهم ، ومنحت الجنسية العراقية لكل هؤلاء .

فماذا كانت النتيجة ؟ - العراق كانت نسبة العرب فيه 85% قبل الغزو وطبقاً للاحصاءات السكانية الرسمية ولكن بعد أن هجّر ونزح حوالي ثمانيه ملايين عراقي ، مقابل حوالي 8 ملايين استقدموا للعراق ومنحوا الجنسية العراقية تغيرت النسبة بصورة مصطنعة ، والسؤال الآن هو : ما هي النسب السكانية المصطنعة بعد الغزو ؟ ، دون أدنى شك فإن ماضمنته أمريكا في دستور بريمر ، المعد أصله منذ تبنى الكونغرس الأمريكي ( قانون تحرير العراق ) في عام 1998 ، هو القاعدة الأساسية لخطوات التهجير والنزوح التي جرت لأنه بدونها لا يمكن تحويل العراق من دولة بسيطة وغير مركبة إلى دولة مركبة وبالتالي فدرالية ، وهو هدف مشترك غربي وصهيوني وإيراني ، ولكي تكون مركبة لابد من تغيير التناسب السكاني بتقليل نسبة العرب وزيادة نسبة غير العرب فكان جلب ملايين غير العرب ومنحهم الجنسية العراقية مقابل تهجير ملايين العرب نتيجة مخطط لها فتغيرت نسبة السكان الأصلية .

ولعل خير دليل سبق كل تغيير على الأرض ويثبت أن التغييرات السكانية كانت قراراً أمريكياً - بريطانياً هو أن دستور الاحتلال قسم العراق إلى 60 % شيعة 20% سنة والبقية أكراد وبقية الأقليات ، رغم الحقيقة الثابتة وهي أنه لا يوجد إحصاء سكاني قام على تحديد نسب الطوائف على الاطلاق ، وتحديد نسبة الشيعة والسنة عمل بريطاني قديم منذ بداية القرن العشرين تم لشرذمة العراق وأيضاً دون أي إحصاء سكاني ، وهذه النسب تبناها دستور الاحتلال الذي مازال معمولاً به حتى الآن ، وإذا أُجري إحصاء سكاني الآن سيكون متناقضاً مع آخر إحصاء رسمي صحيح وسيظهر العرب بنسبة أقل بكثير من نسبتهم الأصلية وهذا هو أهم شروط تقسيم العراق وكانت الأطراف الثلاثة وهي الغرب الاستعماري والصهيونية وإسرائيل الشرقية هي من غير الواقع تمهيداً للتقسيم ... يتبع .

Almukhtar44@gmail.com

28-1-2020

Featured Posts