الرفيق الدكتور أبو الحكم - سياسة شد الحبال


سياسة شد الحبال


الرفيق الدكتور أبو الحكم


سألت ابني .. ما رأيك بتغريدة " ترامب " الأخيرة ؟


وكان جوابه : عبالك ستتغير سياسة أمريكا بإقالة تيلرسون .. ثم أطلق ضحكة شفافة ومؤدبة نابعة من ثقة عالية بالإجابة !! .

صبي عمره عشرون عامًا يدرك إن لعبة ( الحمائم والصقور ) هي لعبة سياسية كبرى تقوم على سياسة ( شد الحبال ) كلما تراخت ، وإرخائها كلما توترت وتصلبت .. وكما تحصل هذه اللعبة في إيران تحصل في أمريكا وتحصل في الكيان الصهيوني وباقي دول العالم !! .

تصوغ بعض الدول سياساتها الخارجية في ضوء الإيهام بأن قوى الداخل هي جبهتان متصارعتان لحد الاقتتال أو لحد التنافس القوي أو التناحر الذي قد يفضي إلى كسر عظام المقابل .. ولكن ، يبقى الأمر مجرد لعبة سياسية - سيكولوجية مخادعة قد تنطلي على الكثيرين من السياسيين نجدهم يخوضون في نقاشات تخص قوى الداخل ويتوقعون متغيراته ويغدقون أموالهم وهواجسهم من أجل ( ضمان مستقبلي لسياسة دولة يرتجونها لبلدانهم ) .

صحيح : لا يخلو أي داخل لدولة ما من صراعات قوى - ولكن يتوجب التمييز - وبعضها على خط التشدد كما يحصل في عدد قليل من الدول كمصر مع جماعة الاخوان المسلمين الذين يعلنون القتل والموت والإقصاء في مقدمة أجندتهم السياسية والتنظيمية ، وكذا الحال بشأن عناصر القاعدة وعناصر داعش وفروعهما التي تنتجها مطابخ الاستخبارات ( الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية وغيرها ) .. بيد أن الدول الغربية وعلى مسارحها السياسية توجد قوى الصراع يسمونهها قوى ( الضغط ) ، كما يسمونها قوى اليمين المتطرف واليسار المتطرف ، وكذلك اليمين التقليدي المدجن واليسار التقليدي المدجن ، الذي يتمسح مع القوى السلطوية ذات الشأن .. نعم ، هذا يحصل ، ولكن الحديث هنا ينصب على لعبة ( قوى النظام ) وهي صناعة داخلية لها سيناريوات سياسية كما لها قواعد تحركها سياسة الدولة الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية .. فهذا الأمر يختلف ، طالما يرتبط الأمر بمنهج أو نهج السياسة الخارجية لتلك الدول .

وكما هو حال سياسات الدول العظمى ، كسياسة أمريكا لا ترتبط بوجود الأفراد مهما كانت تخصصاتهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم ، فإنهم حين يتولون مناصبهم السيادية في أي إدارة أمريكية قادمة إلى البيت الأبيض ، لا يستطيعون تغيير السياسات - الاستراتيجية بمدياتها الثلاثة ، وخاصة العظمى منها ، إنما بمقدور الرئيس وطاقم إدارته أن يكيف ( أدوات ووسائل ) تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية على وفق واقع التحولات ، التي تجري على أرض الواقع .. كما أنه لا توجد استراتيجية أولية أو متوسطة المدى جاهزة عدى العظمى .. لأن الحركة السياسية والاستراتيجية الأمريكية تأتي في ضوء واقع ما يحصل من أحداث وتحركات ومواقف وردود أفعال .. وكل ما يقال عن إعداد أمريكا لخطة قريبة أو قصيرة المدى هو من باب التعثر في الفهم والإيهام .

أما توقعات البعض بشأن خلفية هذا المسؤول أو ذاك ، سواء كان من باب التشدد أو التراخي حيال مسالة ما ، فهي توقعات غير دقيقة ، وكذا الأمر حول توقع تغيرات في السياسة الخارجية للإدارات الأمريكية المتعاقبة بتغير الرؤساء ومبادئهم - أي مبدأ الرئيس - والمسؤوليين ، فإنها توقعات لا تتطابق مع ما يحدث على أرض الواقع ، رغم أن التوصيف الذي يأتي في شكل نهج ( حمائم وصقور ) .

" ماكس تيلرسون " وزير الخارجية الأمريكي لإدارة ترامب وصف بأنه متراخي ويميل إلى إيران فهو إذن على خلاف مع الرئيس " ترامب " .. وبومبيو رئيس الـ(CIA) وصف بأنه متشدد ولا يرتضي التعاطي مع السلوك الخارجي الإيراني المزعزع لأمن المنطقة واستقرارها وللأمن الدولي .. إذن ، فهو يتطابق مع الرئيس " ترامب " في رؤيته لسلوك إيران العدواني ، الأمر الذي يوحي بأن ترامب عازم على ( تقليم أظافر ) إيران .. وهذا الإيحاء هو في حقيقته ( مخدر ) يقتات على الزمن ليجعل من الحالة موتًا سريرًا لمن ينتظر فعلاً أمريكيًا يعيد الاستقرار إلى المنطقة ويكبح جماح إيران في تطاولها على القانون الدولي وعلى ميثاق الأمم المتحدة وعلى المجتمع العالمي الذي يتطلع إلى السلم الاجتماعي في أي منطقة في العالم .

هذه الحالة الراهنة كيف يمكن تمييزها عن حالة العلاقة التي رسمتها إدارة أوباما حيال إيران والمنطقة ؟ ، لا اختلاف في المرمى سوى طريقة التعامل ، فبدلاً من أن تكون علاقة ( ليونة ظاهرية ) حيال إيران ، تكون علاقة ( ليونة باطنية ) حيالها ، والنتيجة واحدة تمامًا .. فلا إيران تم ردعها أو تقليم مخلب واحد من مخالبها سواء بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة ، ولا مجلس الأمن قادر على إيقافها عند حدها لعجزه ، وحتى الجامعة العربية لم تفعل شيئًا إنما هي الأخرى قد دخلت منذ ما قبل عام 1991 في ردهة العناية المركزة ولا من استجابة قومية لما يجري في المنطقة العربية .


والمعنى في ذلك ببساطة :

أن أمريكا تضع إيران في دائرة اهتماماتها الاستراتيجية المرتبطة ليس بالأقليم ، إنما بروسيا الاتحادية والصين وما يجري في الشرق الأوسط ، وليس بصورة منفردة .. فأمريكا تأخذ بنظر الاعتبار العلاقات ( الإيرانية – الروسية ) ، والعلاقات ( الإيرانية – الصينية ) فضلاً عن التدخل العسكري الروسي في سوريا ، الذي يحمل مسارين ، الأول : دفاع استباقي ، والثاني : تعزيز النفوذ الروسي بالمنافسة على أساس الولوج إلى حرب باردة جديدة تعيد للكرملين إرثه ومكانته في قطبية ثنائية !! .

فهل أن هذه الرؤية الأمريكية الاستراتيجية هي التي ترسم طبيعة التعامل الأمريكي مع النظام الإيراني ؟ ، ولا ننسى هنا أبدًا المصالح الأمريكية الكائنة في مجرى التوافق الاستراتيجي ( الأمريكي – الإيراني ) منذ الانسحاب الأمريكي من العراق وترك الساحة لـ( ولي الفقيه ) ، لكي يعبث بها كيفما يشاء !! ، وهل أن السياسة الأمريكية في العراق تعيش مأزقًا أمنيًا واستراتيجيًا أم توافقًا كاملاً عند هذه الحالة ؟ ، فكيف تقلم أمريكا أظافر النظام الإيراني في العراق والمنطقة ما دامت على توافق مع النظام وعبثة المستمر في المنطقة ؟ ، ولماذا تبني قواعدها العسكرية الضخمة في العراق وفي مقدمتها قاعدة ( الكياره ) القريبة من الموصل ؟ ، وهل هي بديل لقاعدة ( إنجرلك ) التركية ؟ ، وهل لارتهان الخزين الاستراتيجي العراقي من النفط والغاز للأمريكان على مدى عقود قادمة وبتشريع برلمان الحكومة العميلة في المنطقة الخضراء تحت قانون شركة النفط العراقية ؟! .

والأخطر من كل هذا .. كيف تتعامل أمريكا والغرب البراغماتي مع منهج ( الردع الصاروخي ) الذي تشهره إيران على أساس أنه لغة التفاوض الوحيدة لديها ؟! .

إن سقوط جندي في لعبة الشطرنج يختلف عن سقوط قلعة أو حصان أو وزير .. لأن اللعبة بحد ذاتها محكومة بقواعد جيو - استراتيجية هي التي تقوم بتحريك البيادق وإسقاطها .

وأخيرًا وليس آخرًا ، كيف ستنتهي لعبة القط والفأر بين أمريكا وإيران ؟ ، هل على قاعدة التوافق أم على قاعدة التناحر المستدام لحلب العراق والمنطقة من آخر ( بترودولار ) ممكن سحبه ؟ ، أم على وفق قاعدة التسوية الشاملة مع موسكو ؟ ، أم على قاعدة الحرب المستبعدة ؟! .

14 / 03 / 2018

Featured Posts