جومرد حقي إسماعيل - قاطعوا قبل أن تتقطعوا


قاطعوا قبل أن تتقطعوا

جومرد حقي إسماعيل


يصر البعض الكثير على تناول منتجات الدول الغربية وسلعها رغم توفر البدائل المنتجة في بلاد الإسلام والتي تضاهي المنتج الغربي ، ورغم أن عموم هذه المنتجات يكون سعرها أكثر من أسعار السلع المنتجة في البلاد الإسلامية ، لكننا قد نلاحظ تدني سلعاً غربية أخرى بأسعارها بشيء قليل عن مثيلاتها الإسلامية ، وفي ذلك أسباب ، أهمها :

1. هو تعمد الدول الغربية على منافسة منتجات الدول الإسلامية وضربها بالأسعار في محاولة لإفشال التقدم الصناعي وتطوره عند المسلمين ، بيد أن كل خسارة تتكبدها دولة غربية جراء خفض أسعار منتجاتها لمنافسة السلع في العالم الإسلامي ، فإنه يكون تعويض الخسائر مقدور عليه مع الثلة المرتدة أزلام الغرب في هذه الأمّة ، حيث إنهم ليس فقط مأمورون بتهيئة الأرض والعرض والأجواء والبحار أمام المد الغربي لضرب التوجهات الدينية والوطنية والقومية في هذه الأمّة ، بل أنهم يعملون بكل ما يُملى عليهم لأجل تمكين الغرب الاستعماري من مقدرات هذه الأمّة المجيدة ، فيقدمون لهم النفط والمال والبنين وكل غال ونفيس ، لأنه لا شيء يهمهم سوى أن يضمنوا البقاء ، وتصوروا أن أمريكا الأعورية وغربها الكافر قادرة على أن تكفل لهم البقاء وغفلوا أن البقاء لله الواحد القهار { كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ () وَ يَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإكرَامِ } .


2. أمريكا والغرب يحاولون خاسئين تركيع أمّة العرب ، ذلك لأن العرب موصوفون بالأخلاق والشجاعة والفروسية والغيرة والكرم والمروءة ، وبكل معاني القيم الشريفة النبيلة ، وهذا يعني إذا استقل العرب بقرارهم السياسي والاقتصادي ، فإن ذلك يعني أنهم بالقوة الروحية التي يكنّوها يعلوا إنتاجهم وبنائهم ، وبالأخلاق يجيدون الصنع ويتقنوه ، وبقوة الفروسية يحافظون على مرتكزاتهم ، وبالكرم يذوون عن إنجازاتهم ، وهذا بالتأكيد يقلق الأعور الدجال وزمرته ، فليتصور أحدنا أن العرب حققوا اكتفاءهم الذاتي من الغذاء واللباس والدواء على أقل تقدير ، سؤالنا ، مالذي سوف يحدث في العالم الغربي ؟ ، وسؤالنا الأهم هنا ، لماذا لا يحقق العرب هذا الاكتفاء ؟ ، هل تدبرنا الأسباب ودواعي هذا التراجع ؟ ، ثم هل تدبرنا لماذا أمّة العرب غير قادرة على تأسيس سوق عربية مشتركة ؟ ، ولماذا أُفشلت فكرة إصدار الدينار الخليجي الذي اقترحه العراق للتعامل به في معاملات تسويق النفط ؟ ، أسئلة لو تدبرناها جيداً لتكشفت الحقائق وبان المستور ، ولعلمنا أن البناء والعمران والتكنلوجية والمصانع والكمبيوتر والتي باتت حاضرة في بلاد العرب ما هي إلا وسائل لجر الأمّة نحو الاستعمار الاقتصادي والسياسي بدلاً من أن تكون بالفعل وسيلة من وسائل استقلال هذه الأمّة وتطورها وتملكها لقرارها السيادي ، هذا إذا ما علمنا أن الكثير من المشاريع التنموية ( العربية ) هي رهن بيد شركات غربية تملك مفاتيح تشغيلها ووقفها ، ثم أن لهذه المشاريع خطوط حمراء كما هي في الساحة السياسية لا يجوز تجاوزها ، يعني ، أن حدود امتلاك التكنلوجية وتحقيق التطور الصناعي مرسومة في البيت الأسود ولا يجوز تخطيها .


من كل ما تقدم ، علينا أن نفهم أننا أمام مهام صعبة كجزء من الحالة الجهادية لهذه الأمّة في رقيها وتصديها لمحاولات الكفار في النيل من كرامة أمّتنا المجيدة ، وإذا كان البعض من قادة هذه الأمّة قد رهنوا مقدرات بلادهم لحساب أمريكا وغربها الكافر ، فإن قرار مقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية والغربية قرار لا سلطان لأحد به علينا ، فليس من المعقول أن تقوم سلطات دولة في إجبار الناس على ما يشترون وما لا يشترون ، والمقاطعة سلاح قوي يعتمد على تكامل القناعات عند المرء العربي والمسلم بأهمية هذا السلاح وفعله المؤثر ، وكذلك على مستوى شعور المواطن بالمسؤولية باعتباره جزء من الحالة المهدَّدة والمستهدفة من القوى الصليبية ، وأخطر ما في الموضوع النظر إليه باستهانة الفردية الضيقة اليائسة من عدم جدوى ذلك ، وإن الفرد لوحده لا يقدر على عمل جهادي بهذا المستوى الكبير ، فنقول ، أن اجتماع الأفراد على هذا الأمر مخلصين النية لله تعالى سيؤدي إلى فعل جماعي خصوصاً إذا بدأ الفرد بنفسه وأهله وابن عمه وجاره ، وهكذا تتكون الجماعات المقاطعة وتكبر حتى تكون الأمّة كلها مقاطعة للبضائع الكفرية .


ولتأييد هذا الموضوع ومساعدة الناس في التغلب على النفوس الأمارة التي تزين لنا كل سوء ، حتى بضائع الغرب ، حيث تدخل عليك بزينة إنها لذيذة وأجمل وأرقى وأرخص وأفضل وإلى ذلك من صور التزيين ، نقول ، أن البضائع الغربية لا تخلو من الشبهة ، خصوصاً المواد الغذائية منها ، من حيث أنك لا تستطيع الجزم بأن المواد الغذائية جهزت أو ذبحت بالطرق الموافقة للشريعة الإسلامية ، فقط إنك تعتمد ما يكتب على الغلاف بما يؤيد أنها حلال ، وقد أمرنا حضرة سيدنا النبي محمّد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم بتجنب الشبهات وكل مافيه ريب ، فقال (( الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كراع يرعى حول الحمى ، يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب )) ، وقوله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )) ، وإذا ما علمنا وأيقنا بكذب العالم الغربي وتعمده الإضرار بالمسلمين لتبين لك أن الحلال مجرد كلمة كتبت على الغلاف لترويج المنتج { وَلا تَأكُلُوا مِمّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عَلَيهِ وَإنّهُ لَفِسقٌ ، وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أولِيائِهِم لِيُجَادِلُوكُم ، وَإن أطَعتُمُهُم إنَّكُم لَمُشرِكُونَ } ، ثم أنه ثابت لدينا كفرهم وشركهم ، وفي وصف حال المشركين قال الله تعالى { يآأَيُّها الَّذينَ ءامَنوا إِنَّما المُشرِكونَ نَجسٌ فَلا يَقرَبوا المَسجِدَ الحَرامِ بَعدَ عامِهِم هذا , وَإِن خِفتُم عَيلَةً فَسوفَ يُغنيكُم اللّهُ مِن فَضلِهِ إِن شاء ، إِنَّ اللّهَ عَليمٌ حَكيمٌ } ، فكيف يكون لك يا مسلماً أن تأكل من أيدي نجسة ؟!! ، ثم أن سيدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم قال (( وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) ، ومن تعاوننا هو تشجيع منتجات العرب والمسلمين ، وقد أفتى الشيخ الدكتور عبد الملك السعدي ، عضو هيئة الإفتاء العراقية ، والذي اشتهر بأنه صاحب الفتوى التي لا ترد ، فقال ( الأَولى جلب البضائع من البلاد الإسلامية والعربية ) ، وفي هذا الأمر ، فقد وجه حضرة الإمام الشهيد صدام حسين المجيد وزارات الدولة العراقية بضرورة تقديم استيراداتهم من العالم الإسلامي على استيراداتهم من العالم الغربي ، وكان يؤكد على فعل المقاطعة ، وكان يوصي بعدم التعامل مع الشركات العربية والإسلامية التي لها معاملات مع الصهاينة ، وهذا جانب آخر ، وهو أنك بتأكيدك الشراء لمنتوجات الغرب الكافر فإنك تدعم اقتصادهم المستخدم في ضرب أمتى العرب والإسلام ، فهل يجوز لنا أن نقدم لأمريكا ولندن وإيطاليا وروسيا وغيرها ثمن القذائف والصواريخ التي يقتِّلوننا ويقطِّعوننا بها ، ألا نتذكر قول سيدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم (( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه ما فعل فيه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه )) ، فكيف سيكون جوابك إذا سئلت عن مالك فيما أنفقته ، هل فكرت بالجواب أنك تنفق مما تنفقه في شراء الكوكا كولا ؟ ، وهل تعلم أن أصل هذه الشركة إسرائيلي ؟ وإن نسبة من أرباح الشركة في كل العالم تذهب إلى ( إسرائيل ) ، وهل تعلم أن شركة كوكا كولا قد تبرعت مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية المباركة بمبلغ مائتي ألف دولار لحكومة المجرم باراك كمساهمة منها لضرب الانتفاضة المباركة ؟ ، ثم يأتي الواحد منا ويتناول هذا المنتوج بدم بارد ولا مبالاة بما يصيب هذه الأمّة من جراء الوجود الصهيوني الأمريكي فيها ، وهو لا يعلم بأن ثمن القارورة الواحدة قد تحول إلى طلقة استقرت في جسد أخيه الفلسطيني وغيره .

ومن فوائد المقاطعة هو تمكين بعض القيادات التي رضخت للضغوط الأمريكية بسبب عجزها الاقتصادي وعدم تمكنها من الخروج عن دائرة الطوع الأمريكية ، نمكن مثل هذه القيادات من امتلاك قرارها باستقلالية وقوة إذا ما انتعش اقتصاد بلدانها ، وكذلك فإن تشجيع منتجات البلاد الإسلامية والعربية يعني توفير فرص عمل كثيرة لشباب هذه الأمّة ، وبدلا من هجرتهم إلى بلاد الغرب طلباً للرزق سيكون حضورهم طبيعياً على أرضهم في ميادين العمل والجهاد ، وهنا نريد أن نسأل ، ما هو تأثير عودة الشباب العربي في الغرب إلى بلدانهم الصناعية المتطورة على العالم الغربي الكفري ؟ .

والآن ، هل فكر أحدنا أن نتحرى بلد صناعة أي مادة قبل شرائها ؟ ، وإذا ما وجدنا منتجاً غربياً وبجنبه منتجاً عربياً أو إسلامياً أن نتناول ما هو عربي وإسلامي ونترك غيره ، هل فكرنا في البدائل واجتهدنا بحثاً عنها ؟ ، هل نحن قادرون فعلاً على مجاهدة أنفسنا في ذلك ؟ هل نحن فعلا أهلاً لتحدي الكفار من خلال الإمتناع عن تناول منتجاتهم ؟ ، هل فكر تجار هذه الأمّة بأن عزوفهم عن استيراد بضائع الغرب يدخلهم في تقوى الله تعالى ؟ ، ويجنبهم الفجور الذي وصف به سيدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم التجار قائلا (( التجار فجار إلا من اتقى )) ، ولكن تبقى للضرورات أحكام يقدرها المرء إذا قدر على تمييز قبول القلب المطمئن من تزيين النفس الأمارة ، بسم الله الرحمن الرحيم { يآأَيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا اليَهودَ وَ النَّصارى أولياءَ , بَعضُهُم أَولياءُ بَعضٍ , وَمَن يَتَوَلَّهُم فإِنَّهُ مِنهُم , إِنَّ اللّهَ لا يَهدي القَومَ الظالِمينَ } ، والله أكبر وليخسأ الخاسئون .

Featured Posts