الرفيق المجاهد صلاح المختار - من المسؤول عن الانحراف السلوكي ؟


من المسؤول عن الانحراف السلوكي ؟

الرفيق المجاهد صلاح المختار


" المعجزة هي أن تكون إنساناً "

( حكيم )


في مقال موح تحت عنوان ( في مثل هذا اليوم وقبل ستة وثلاثين عاماً ) كتبه اللواء غازي عزيزة وهو عراقي مسيحي وكان ضابطاً في الجيش الوطني الذي حلته أمريكا ثم التحق بالجيش الجديد الذي تأسس بعد الاحتلال لفترة ولكن تم إبعاده منه وحرمانه من ( حقوقه ) ، يحكي قصة إصابته القاتلة أثناء الحرب التي فرضتها إسرائيل الشرقية – إيران - على العراق بين عامي 1980 و1988 وكيف أُنقذ ، يقول السيد عزيزة : ( ... منذ سنوات وأنا أقارن بين مسلمي العراق في الثمانينات وبعض مسلمي العراق بعد 2003 ! ، فسابقاً كان يجاهد أكثر من تسعين مسلماً بطاقته وعلمه ومهنيته وشجاعته ويتبرع بدمه لإنقاذ مسيحي عراقي واحد ! ، أما الآن فالمسلم الواحد ( بعضاً منهم وليس جميعهم ) يقوم بالجهاد عن طريـق تفجيـر الكنائس وسلب وخطف وابتـزاز وقتــل وسبي وتهجيـر أكثــر من تسعيـن مسيحي عراقي ) .

ويضيف متساءلاً : ( ... إشرحوا لي الأسباب الحقيقية لتغيّر طبيعة وأخلاق وسيرة مسلمي العراق ) .

ثم شاهدت فيلماً عن شباب عراقيين يسألهم الإعلامي : هل أنت مستعد للنوم مع امرأة تغريك في رمضان ؟ ، فيجيب بحزم : ( كلا أرفض ذلك ) ، وحينما يسأله مقدم البرنامج : لماذا لا تنام مع المراة الجميلة ؟ ، فيجيب : ( لأنني أُحب ممارسة الجنس مع ذكور ولا أُحب ممارسته مع النساء) ! ، وهذا حال يفرض سؤال شبيه بسؤال السيد عزيزة ويكمله : من المسؤول عن هذه الانحرافات ؟ .

في المثالين المذكورين نرى جذرهما وما تسبب بهما وبغيرهما من آثار نفسية وأخلاقية واجتماعية وهو قرارات أمريكا المتخذة قبل الغزو وأخطرها قرار تحويل العراق إلى دولة فاشلة تدريجياً فكان الحصار بعد الحرب الثلاثينية مقدمة لهز القيم والتقاليد وإجبار بعض الناس على الردة الأخلاقية ، ولهذا كانت الخطوات الأخطر التي أدت لما نحن عليه الآن من تدهور اتخذت بعد الغزو وهي حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وتفكيك الدولة وإنهاء مركزيتها وفاعليتها فانهارت الخدمات وشكلت العصابات والميليشيات وساد الظلم والنهب والتمييز الطائفي والعنصري ، وهجر ملايين المواطنين ، وحرموا من مصادر العيش وتعرضوا للموت الفجائي الجماعي والتعذيب ...الخ .

هنا نجد السبب الرئيس لهذه الانحرافات المخطط لها أمريكيا وصهيونياً وإيرانياً : فعندما كان هناك عراق مركزي قوي منضبط أمنياً وأخلاقياً وقانونياً ويضمن لمواطنيه المساواة القانونية والعملية في الحقوق والواجبات وهي الحاضنة الطبيعية والأصلية للتضامن الاجتماعي والأُلفة ، ويقدم الخدمات وكافة احتياجاتهم الأساسية والثانوية كانت الانحرافات فردية وقبيحة جداً ، فعراق ما قبل الغزو حفظ وحدته الوطنية وتألف مواطنية عبر مبادئ حاكمة للحكومة وإجراءات إيجابية تمثلت في ضمان احتياجات الناس المادية والروحية والثقافية والمساواة الفعلية وتوفير الأمن والأمان ، وعبر إجراءات مكملة وداعمة لها وهي الإجراءات العقابية الصارمة لمن ينحرف عن الخط المستقيم .

ولكن حينما تتحكم في الدولة والمجتمع ميليشيات وأحزاب فرضها الاحتلال وتتكون أغلبها من حثالات ولا يقتصر سلوكها على النهب وابتزاز الناس فقط بل أيضاً مارست هذه الميليشيات دوراً أخطر وهو حماية المنحرفين والشاذين وضمهم إلى صفوفها وإعطاءهم السلاح ومعاملتهم كأبطال أو أشخاص عاديين انتعشت ظواهر التحلل الاجتماعي والأخلاقي والإلحاد وضعف الهوية الوطنية لدى أوساط معينة وظهور فتن طائفية وعرقية فأصبح الشاذ والطائفي حالة منسجمة مع الواقع الجديد المصطنع .

الافقار والحرمان من أساسيات الحياة الإنسانية ، بعد مراحل رفاهية أو على الأقل كفاية متطلبات الإنسان المادية والروحية والثقافية ، وهي حالة أوصل إليها الاحتلال الأمريكي ثم الإيراني شعب العراق عمداً وتخطيطاً ، وزوال الدولة وضبطها للمجتمع وسيادة الميليشيات والمخدرات وتفكك عوائل أدى إلى تساقط كتل اجتماعية في مستنقعات تدهور القيم والروادع الأخلاقية والشذوذ وزوال المشاعر الوطنية والإنسانية لدى هذه الكتل وتعاظم اللجوء للطائفة بدل الوطنية لحماية الإنسان حياته ، وتحكم الغرائز والجهل والأمراض الاجتماعية والنفسية والتي كانت محاصرة بقوة الطب ورعاية الدولة الوطنية لكنها أطلقت في بيئة زالت فيها دولة القانون والقيم الأخلاقية والإنسانية فنهضت أشد الأمراض النفسية والاجتماعية من رقادها وصارت تتحكم بالسلوك الفردي وبكتل اجتماعية .

لِمَ قامت أمريكا ومعها إسرائيل الشرقية وإسرائيل الغربية بتعمد تحطيم الدولة ومنظومة القيم العليا في العراق وفرض الفقر والعوز العام وحماية الشاذين ؟

1- كي تفكك مجتمعاً ما ، عليك أولاً أن تضعف ضوابطه التقليدية من جهة ، وتدمر الدولة وتحولها إلى دولة فاشلة من جهة ثانية ، لأجل إزالة موانع إطلاق الشذوذ وتنميته وتسييد قيمه المنحرفة في أوساط معينة من الناس وهي كلها سدود الدولة والمجتمع وتربية الناس طوال آلاف السنين قيمياً ووطنياً ودينياً ، فتلك خطوات مطلوبة لنشوء فوضى عارمة تهدم الأمن وتنشر الذعر والخوف والجوع وتوصل العراقي إلى حافة الموت ، وعندها تبدأ الطبيعة المكتسبة منذ آلاف السنين بالتبدل وتوقط طبيعة سابقة لها كانت تقوم على الأنانية المطلقة من أجل البقاء .

2- كما أن تفكيك وحدة المجتمع رهن بالتجويع المنظم والقتل العشوائي وتجريد الناس من ممتلكاتهم ... الخ ، والأمن الفردي لا يتحقق إلا عندما يستسلم الفرد لأكثر الممارسات رجعية وخطراً ومنها الانخراط في صفوف عصابات مسلحة تسرق وتقتل وتنتهك الأعراض كي تحميه وتقدم له فرصة للأكل وإبعاد شبح القتل أو الموت جوعاً ، وهذه الحاجة تدفع الناس المنتمين لطائفة أو إثنية لإنشاء تضامن بينها أو التسلح لوقاية نفسها من خطر الآخرين فتنتعش ظواهر ما قبل الوطنية وتسود عليها .

3- كما أن أمريكا منذ قيامها ثبتت في دستورها أنها تحمل رسالة إلى كل العالم وهي ( نشر القيم الأمريكية ) فيه والقيم الأمريكية تحمي الشاذين بقوانين زواج المثليين ، وتطلق حرية ممارسة الجنس الطبيعي للشباب والشابات وتعاقب الأهل إذا حاولوا منع بناتهم من ممارسة الجنس قبل الزواج وهذه الممارسات تدمر القواعد التي قامت عليها المجتمعات المحافظة وتحرم الشذوذ والجنس خارج الزواج ، فنشر القيم الأمريكية يقوض المجتمعات غير الغربية من جذورها بجعل الفرد وتوجهاته وليس الجماعة مقرر السلوك العام ، وتماثل حوافز سلوك العراقي مع حوافز سلوك المحتل الأمريكي أخلاقياً واجتماعياً من ضرورات الغزو ومنع مقاومته .

4- تنفيذ إسرائيل الشرقية لخطط شبيهة تنسجم مع القيم الأمريكية مثل زواج المتعة ودعم الشذوذ بكافة أشكاله والتجويع المنظم للضحايا ونشر المخدرات وترويجها على أوسع نطاق كما نراه في العراق بعد الغزو ، إضافة للرسالة الأولى لإسرائيل الشرقية وهي جعل الطائفية وليس الوطنية هي المرجعية السائدة لأجل العثور على خيول طروادة عرب يخدمون المخطط الامبراطوري الفارسي تحت غطاء الطائفية .

5- عندما ترى المعلم يدرس خصوصي فإن التعليم أُفسد وتلك أول الخطوات الخطرة لتدمير الأساس العلمي للدولة ، وإذا شاهدت شخصاً لا يحترم والده فهذه هي بداية تفسخ العائلة ، وإذا رأيت بنتاً تقول لأمها أنني حامل من صديقي فتقول لها اعملي إجهاض وتربت على كتفها وتقول كوني حذرة في المرة القادمة فتيقن بأن العائلة سوف تنتهي أو تتفكك ، وعندما يكذب قائد سياسي يدعي أنه ثوري ونزيه فإنه دخل نفق التأمر والفساد ، وعندما تهتم الحكومة بالتستر على الفاسد وليس اجتثاثه فالدولة بدأت تتفسخ .

وهذه بعض أهداف أمريكا والإسرائيليتين الشرقية والغربية في العراق وبقية الأقطار العربية فلكي تفكك دولة ومجتمعاً عليك أولاً تدمير التعليم والعائلة وحرمان الناس من حق العيش الكريم .

هنا نرى شيطان التمييز الطائفي والعنصري وكافة أشكال الانحراف والوحشية والتفكك الاجتماعي وتلك هي البيئة التي يحتاج إليها أي احتلال .


Almukhtar44@gmail.com

20-6-2018

Featured Posts