الرفيق المجاهد صلاح المختار - من يساهم في تأخير تحرير العراق ؟


من يساهم في تأخير تحرير العراق ؟

الرفيق المجاهد صلاح المختار

النقاش حول طبيعة ما يحدث في العراق اتخذ مساراً متصادماً ، فالبعض يصر على اعتباره مجرد صرخات احتجاج على انعدام الخدمات والفساد وأن الطبيعة الأيديولوجية ( الطائفية ) الراسخة للمتظاهرين لا تسمح لهم بالخروج منها ، كما ادعى شيعي متأمرك ، ومن ثم فإن من الضروري معاملة هذه الاحتجاجات مثلما عامل أهل الجنوب احتجاجات الوسط والشمال في الأعوام الماضية ، أي عدم تأييد السنة للاحتجاجات الحالية كما كتب سني طائفي ! .

ما يهمنا الآن هو ، التحديد الدقيق لما يجري ودحض الآراء التي قد تفقدنا الفرصة التاريخية التي سنحت لإسقاط مخطط الفتن الطائفية وتوريث المزيد من الأزمات :

1- إنكار وجود انتفاضة وطنية حقيقية في الجنوب يفضي إلى واحد من فرضيتين :

فإما هو جهل بطبيعة ما يجري ، والجاهل لا يعتد به أصلاً ولا يجوز الانشغال بثرثرات الجهلة ، أو هو تجاهُل لطبيعة ما يجري وإنكار لحقيقته رغم معرفة الناكر بالحقيقة ، وهنا نرى الأنا المغمسة بدم الطائفية ، فوجود مؤثرات طائفية تغلبت على الانتماء القومي هو ما يفسر إنكار الطبيعة الوطنية الواضحة للانتفاضة من قبل البعض والدعوة لتجنب دعمها ، وهذا الموقف هو التثقيف نفسه لدى نغول إسرائيل الشرقية ولكنه مقلوباً ومكملاً له حتماً ، لأنه يخدم هدف تعقيد الصراعات العراقية والعربية وإدامتها وتغذيتها بدل حلها جذرياً خصوصاً حينما نلاحظ أن كُتّاباً انتموا لهذا الخط الطائفي أنكروا تطور الانتفاضة وتجاهلوه وهو الذي أوصلها إلى طغيان الطبيعة الوطنية على الطبيعة المطلبية ، والقصدية تبدو واضحة من خلال تركيزهم فقط على بدايتها التي كانت مطلبية مع أن كتابة تلك المقالات حصلت في المرحلة الوطنية للانتفاضة ، والتي عبرت عنها شعارات معادية لإسرائيل الشرقية ( ايران برة برة ... ) وهذه شعارات ترفع وتردد لأول مرة بهذا الحجم الكبير والحماس التلقائي العفوي ، إضافة لتسقيط كل العملية السياسية ورفض لكافة الأوضاع التي ترتبت على الاحتلال .

الطائفي السني والطائفي الشيعي وجهان لعملة واحدة ، هذه حقيقة ثابتة .

أما الطريقة الثانية لتفسير هذا الموقف فتقوم على أنه ليس ثمرة تربية طائفية بل هو تنفيذ للمخطط الطائفي لتقسيم العراق سواء بالتبعية لإسرائيل الشرقية أو بالتبعية لأمريكا أو لغيرهما من القوى التي من مصلحتها تقسيم العراق ، فما تُثقف على أساسه كل من أمريكا وإسرائيل الشرقية وقبل احتلال العراق هو أن هناك صراع طائفي متغلب على كافة الصراعات وأن على المتصارعين حسمه طائفياً ! ، وهذا التثقيف واضح الهدف فحينما نعد الصراع طائفياً نخفي جوهر الصراع وهو أنه صراع وطني وقومي تحرري ضد الاستعمارين الأمريكي والإيراني ، لأننا إذا وقعنا في فخ مقولة أنه صراع طائفي تسقط خياراتنا الوطنية ولا يبقى دائراً إلا صراع طائفي مدمر له بداية ولكنه بلا نهاية سوى تدمير الأمة بكافة أقطارها تقسيماً وشرذمة وإلغاء للهوية الموحدة والجامعة وهي الهوية الوطنية العراقية والهوية القومية العربية .

ما أن ندخل حلبة الصراع الطائفي حتى نتحول رغماً عنا إلى أدوات بيد أما إسرائيل الشرقية أو أمريكا أو أطراف أخرى ونفقد استقلاليتنا وتنعدم قدرتنا على حسم الصراع لصالحنا .

إذا رفضنا إقرار أنها انتفاضة وطنية ما البديل ؟ ، البديل هو افتراض أنها انتفاضة مطلبية وأنها خاضعة لأيديولوجيا طائفية راسخة ولا يمكن التخلص منها كما قال الشيعي المـتأمرك الذي خدم بعلمه أو عفوياً المخطط الطائفي وهو ينسجم مع غيره من السنة الطائفيين الذين لا يريدون النزول عن بغلة الطائفية ويصرون على أن ما يجري في الجنوب مطلبي وأنها لعبة إيرانية صرفة ويجب مقاطعتها ! دون أدنى شك فإن من يرفض النزول من ظهر بغلة الطائفية سواء كان سني أو شيعي لن يجد نفسه إلا في أحضان خطة مهندسي الفتن الطائفية بكافة اسماءهم وفي خدمتها ، وهذه هي النتيجة الطبيعية لتجاوز الواقع المعاش والاقتيات على ماض تصرم أو حالات منفردة لأجل إثبات صحة فرضياته .

لنفترض أنها عبارة عن مزيج من تأثيرات الأيديولوجيا الطائفية ( الراسخة ) وغير القابلة للاجتثاث ومن تأثيرات تيارات وطنية حقيقية في الجنوب ( شباب الانتفاضة ، بعض الشخصيات العشائرية ، بعض رجال الدين وضحايا الغزو الإيراني .. الخ ) ، القوى الأخيرة استطاعت نقل الانتفاضة إلى حالة ازدواجية وتعدد المؤثرات :

فهناك تأثير إيراني وهناك تأثير أمريكي أيضاً ، ولكن هناك أيضاً ما لا يجب إنكاره وهو تأثير وطني حقيقي ومن يشك ليعد لرؤية أفلام صُوِّرت حرقة وصدق المتظاهرين الذي شتموا إسرائيل الشرقية ولعنوها ومزقوا صور خامنئي وخميني وداسوها بالنعل وهؤلاء وطنيون عراقيون دون أدنى شك وهم الذين طغى صوتهم على أصوات نغول أمريكا ونغول إسرائيل الشرقية بدليل دامغ هو استشهاد 14 شاب حسب الاحصاءات الرسمية وأكثر من 50 شهيد حسب المتظاهرين ، فهل من الإنصاف والموضوعية الإصرار على أنها ليست انتفاضة وطنية وإنما هي تحرك طائفي وإيراني ؟ ، وإذا أنكرنا هذا الواقع ألا يجعلنا ذلك نترك الساحة لمهندسي الفتنة ونغولهم كي يعيدوا ضبطها والسيطرة على الجماهير مرة ثانية ؟ ، أم أن نناضل بلا هوادة من أجل دعم وتنمية الوعي الوطني العراقي وتعزيز الهوية القومية العربية في الجنوب من خلال دعم الانتفاضة بكل قوة جنباً إلى جنب مع معرفة طبيعة المؤثرات المتناقضة الموجودة عليها ؟ ، المناضل وفي كل الصراعات لا يدخل ساحة صراع نقية وواضحة ولهذا واجبه الأول هو تحديد كيفية اختراق الحدث والعثور على مؤثرات غير تلك التي تطغى ظاهرياً عليه ، وعندما يعثر على إمكانية تغيير مسارات الحدث المتفجر لصالح قضية الشعب فعليه أن يعمل بلا تردد على تحقيق ذلك لا أن يستسلم لما يجده أمامه جاهزاً وهو الصورة الظاهرية للصراع التي لا ترى ما في داخله .

ما حصل في الجنوب ويجب التركيز على هذه الحقيقة التي تناولناها في مقال سابق هو انتقال التظاهرات إلى حالة الانتفاضة الوطنية لأنها حققت أحد أهم أهداف الحركة الوطنية العراقية وهو إسقاط المخطط الطائفي وتأكيد أن الشعب العراقي واحد وأن الطائفية ليست أكثر من صراعات بين كتل وأحزاب سياسية مدفوعة بتـاثيرات خارجية ، وهذا الذي حصل هو الإنجاز الأعظم حتى الآن ومهما كانت نتيجة الانتفاضة وعلينا البناء عليه وتطويره لمرحلة لاحقة من نضالنا التحرري الوطني ، أما إذا رفضنا ذلك فإن البديل الوحيد هو انتقال الصراع الطائفي من صراعات سياسية بين أحزاب طائفية مع تأثر جماهيري محدود وسطحي إلى صراعات طائفية بين الجماهير ذاتها وهنا مكمن الخطر المميت الذي خططت له القوى المعادية ، لذلك ومع إقرارنا بوجود تجهيل وأمية وهيمنة الخرافات الطائفية علي كثيرين إلا أن علينا أن نقر بصورة أقوى حقيقة أن قساوة الوضع التي تجاوزت حدود احتمال الناس بوضعهم على حافة الموت نبهت فطرتهم السليمة إلى أن الحكومه ومن يتحكم بمساراتها عدو يجب القضاء عليه ، وهنا انثالت تيارات الوعي الوطني العراقي وظهرت الأصول القومية العربية لتفرض نفسها على كل المؤثرات ففي مرحله القمع الفاشي صارت الشعارات وطنية وقومية بينما في مرحلة البداية كانت مطلبية ، ومن البديهي أن الدمج بين الوطني والمطلبي يعزز الانتفاضة ويوسع نطاقها وليس العكس بشرط إخضاع المطلبي للوطني .

الحركة الثورية هي التي تستطيع التقاط اللحظة التاريخية والإمساك بها بقوة لقلب كافة التوازنات حتى وإن كانت المعطيات ليست كلها إيجابية فعلى الأقل تستطيع بقلبها إيجاد متطلبات وقواعد قوية لعمل وطني وقومي ثوري متعدد الأشكال وسط حماية جماهير تخلصت من أوهام ووعود الطائفيين وأتباع إسرائيل الشرقية ، وكذلك من وعود أمريكا المخدرة لحماس الناس .

ما يجب الاعتراف به هو أن مشكلة الحركة الوطنية العراقية وكافة الوطنيين هي أن قطاعات واسعة من جماهير الجنوب سايرت الأحزاب الطائفية وهي كانت مقتنعة بأن تلك الأحزاب منها وتعبر عن تطلعاتها وسوف تحقق لها مكاسب ولكنها بعد أكثر من عشر سنوات أخذت تكتشف زيفها وأنها لا تمثلها بأي شكل بل توصلت في العام الخامس عشر للغزو إلى ما هو أهم وهو أن إسرائيل الشرقية ليست حريصة على الشيعة وإنما هي تريد تدمير العرب وكل ما يخصهم بما في ذلك تدمير الشيعة واستغلالهم لتحقيق أهدافها القومية والتي تتبرقع بالطائفية لتحقيق أغراضها ، ولهذا قلنا أنها اللحظة التاريخية لأنها قوة جبارة نقلتنا من المطلبية إلى أخرى مختلفة جذرياً هي الانتفاضة الوطنية التحررية بقوه الوعي الإنساني ، فهل نفقد زخم هذه اللحظة التاريخية تحت تأثير أوهام طائفية أو أحقاد حزبية وثارات تحقق لإسرائيل الشرقية ما أخذت تيأس منه وهو استعادة السيطرة على كتل جماهيرية شيعية خرجت بقوة وشجاعة عن سيطرتها ؟ ، لنفترض أن من يقفون اليوم ضد إسرائيل الشرقية هم أدواتها ، أليس من أهم واجباتنا الوطنية ومن أهم شروط تحرير العراق من الغزو الإيراني واجب إقناع أي كتلة أو حزب أو شخص بالتراجع والعودة للصف الوطني ؟ ، هذه من أهم أسس الوعي الوطني ومن بين أهم أسباب نجاح الثورات ، فما لم تقلص مساحه تأثير العدو الرئيس وما لم تجرده من داعميه أو قسم منهم على الأقل لن ننتصر عليه أبداً وسيصبح الصراع أكثر تكلفة ، وفي حالة العراق فإن عودة الصراع الطائفي بمشاركة شعبية حقيقية نتيجة اليأس من مواقف نخب سنية وإصرارها على المواقف الطائفية المضادة إضافة لقمع نغول إسرائيل الشرقية سيكون نفقاً لا يفضي إلا إلى تقسيم العراق .

البديل الوطني الصحيح هو فتح كافة الأبواب لتراجع من يمكن إقناعه أو من أخذ يتردد ويتأرجح .

هل هذا اختراع منا ؟ ، كلا ، خذوا سيرة نبينا العظيم مع من كانوا كفاراً وشاركوا في محاربة المسلمين الأوائل ، لكن بعضهم حينما تراجع صار من رموز الإسلام العظيمة التي حققت بعض أهم انتصاراته مثل القائد القومي الفذ خالد بن الوليد الذي كان كافراً يحارب المسلمين لكنه أسلم وأجاد في الدفاع عن الإسلام ونشره فوصفه نبينا بأنه ( سيف الله المسلول ) ، فهل نحن أكثر وعياً ومعرفة من نبينا ؟ ، وهل نحن خلق الله أعرف من الله الذي جعل فتح الأبواب لمن يتراجع ممكنة ، بل ضرورة لابد منها ؟

almukhtar44@gmail.com

28-7-2018

Featured Posts