الرفيق الدكتور أبو الحكم -  الاقتصاد لا الصواريخ


الاقتصاد لا الصواريخ .. هو الذي سينتصر في النهاية


الرفيق الدكتور أبو الحكم

  • * الاقتصاد القوي يبني قاعدة للقوة .

  • * إضعاف الاقتصاد يُضعف عناصر القوة .

  • * إقتصاد النفط والغاز .. ليسا اقتصادًا إنتاجيًا .

  • * الاقتصاد الانتاجي .. هو القاعدة التي تنمو فيها عناصر القوة .

ثمة خطوط ثلاثية رسمتها روسيا في صراعها الخارجي ، تمثلت بـ( النفط والغاز والقوة العسكرية ) ، واشتملت على ثلاث مناطق ( بحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط ) ، وهي مناطق المثلث الذي وضعت موسكو استراتيجيتها في كتلة واحدة منتجة للنفط والغاز ، وإلى جانب هذا المخزون هناك ثلاثة موارد أخرى للطاقة ، منها منطقتان كبيرتان كأسواق للمستهلكين ( منطقة جنوب شرق آسيا ) و( منطقة أوربا والشمال الغربي ) .

وعلى مسرح حقول النفط والغاز وخطوط إمداداتها تتمحور سياسات اللاعبين الكبار المنتجين للنفط والغاز في شكل تنافس وصراع .. وتبرز على هذا المسرح الولايات المتحدة وروسيا والمملكة العربية السعودية ، فقد أصبحت الولايات المتحدة تستخرج النفط والغاز أكثر من روسيا وإيران وقطر للاستهلاك المحلي وليس للتصدير وهي عازمة - بعد ملء آبارها الخاوية بنفط العراق المحتل - على التصدير والمنافسة ، وهو الأمر الذي سيؤثر على السوق العالمية ، الأمر الذي يستدعي قراءة سيناريوات محتملة :

- وصول أمريكا إلى نقطة البدء بتصدير النفط والغاز ، لن يجعل من سياستها تقلل من القيمة الجيو - استراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط .. وذلك لاعتبارات تفصح عنها الاستراتيجية الأمريكية في مداها الأقصى والتي تسميها عادة بالعظمى .

- حقول النفط والغاز الضخمة ، التي تم الكشف عنها في شرق حوض البحر المتوسط ستجعل السياسة الروسية أكثر إصرارًا على البقاء في ( طرطوس ) و( حميميم ) السوريتين .. إذ لا تزال غير واضحة آفاق استثمارات حقول النفط والغاز في سواحلها ومقتربات خريطة مخزونهما في المياه الاقليمية للبحر المتوسط .. وإن التقييمات حول احتياطاتها ترتبط بفاعلية تحديد تلك الحقول وإمكانية تصدير المنتج من النفط والغاز في المستقبل ، رغم ارتفاع تكلفة استخراجهما وتسويقه ، فهما سيوفران الموارد للدول المنتجة ( قبرص واليونان وتركيا ولبنان ومصر - وغزة والضفة الغربية حين تطالبان بحقوقهما المشروعة من النفط والغاز المستخرج في سواحل فلسطين المحتلة ) .

- المشكلة معقدة ومرتبطة بالسياسات : هي الانتاج وتبعات تحديده وإطلاقه تضع السياسات في خانة الاضطرابات التنقيبية والسعرية .

- روسيا تريد ( تقليص ) الانتاج ، لغرض رفع الأسعار لإدامة وجودها العسكري المستنزف في أوكرانيا وسوريا ومجابهة العقوبات الدولية .

- أمريكا تريد ( إطلاق ) الانتاج ، لغرض خفض الأسعار العالمية للنفط لأغراض ذات طابع استراتيجي بعيد المدى .

- روسيا تريد ( رفع ) واردات النفط والغاز لأغراض فعالياتها العسكرية الخارجية .

- وأمريكا تريد ( خفض ) واردات النفط وإغراق السوق العالمية وإخضاعها لقانون العرض والطلب .. وهو الأمر الذي سيؤثر بصورة مباشرة على ( قدرات ) روسيا وإيران في استنزاف سياسات الصراع وتجفيف منابع الفعل العسكري لهما ، طالما أن أمريكا لا تعتمد على واردات النفط وهي مكتفية وستكون من المصدرين في المستقبل ، بسببٍ من رؤيتها لمنابع النفط التي حددها مؤتمر الطاقة الذي عقد عام 1973 تحت إشراف " هنري كيسنجر " وزير الخارجية الأمريكي الأسبق .

- إنخفاض أسعار النفط يؤثر في ميزانية روسيا وإيران وغيرها .. ذلك لاعتماد هتان الدولتان في بناء اقتصادهما على موارد النفط والغاز ، وهما موردان غير كافيين لبناء قاعدة اقتصادية إنتاجية يُعتمدُ عليها في تكوين عناصر القوة ، ما لم تكن ( تنموية – إنتاجية ) !! .

- ففي ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا وإيران ، فإن سعر برميل النفط إذا ما انحدر إلى مستوى دون الثلاثين دولارًا للبرميل الواحد سوف يخلخل ميزانية روسيا ويضع ميزانية إيران على حافة الإفلاس الكامل والشامل ، فيما ينتعش الاقتصاد الصيني جراء استيراداتها لنفط رخيص ، وكل الدول المستهلكة ستستفيد عدا الدول المنتجة .. السعودية لا يؤثر فيها انخفاض أسعار النفط ولا دول الخليج العربي ، لأن هذه الدول لديها ما يكفيها من خزين واردات النفط والغاز بالقياس مع عدد سكانها القليل الذي لا يتناسب مع حجم تلك الواردات .

- لا أحد يستطيع ضمان استقرار ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط والغاز في السوق العالمية .. والطلب سيزداد نتيجة ثلاثة عوامل ، 1- ظروف البيئة ، 2- ظروف الأستثمارات ، 3- ظروف الحروب والصراعات .

- فالاقتصاد الروسي يرتبط بواردات الطاقة ، وهو أمر خطير ، رغم صناعات السلاح وغيرها ، وكذلك إيران التي تعتمد على واردات النفط جملة وتفصيلاً وكذلك التهريب في محيطها القريب ، طالما أن حدودها مفتوحة ، وعملية خنقها اقتصاديًا ونفطيًا تمثل الأداة الناجعة لجعلها تدرك أن الواقع الراهن سيحطم ركائزها وينهي وحدتها الجغرافية ما لم تنسحب إلى داخل حدودها الإقليمية وتحترم شعوبها وشعوب محيطها القريب والبعيد و تترك العالم الخارجي يعيش بسلام .. هذا في حالة إدراكها لمخاطر ( سياسة حافة الهاوية ) التي تتبعها وتناور عليها ، وكذلك روسيا التي ترى أن ( الصواريخ ) وليس ( الاقتصاد ) هي التي ستنتصر في النهاية ، وهذا خطأ استراتيجي جسيم .. وهل أخذت درسًا من سباق التسلح الذي اندفع فيه الاتحاد السوفياتي ؟! .

- إن تنوع الاقتصاد يرتبط بالأسواق ( سياسة الأسواق الخارجية ).. فإذا كانت روسيا قد جعلت سياستها تحجب عنها تلك الأسواق ( أسواق المنطقة العربية وأسواق الشرق الأوسط ) ، فإن قيمة التنوع سوف لن يكون لها معنى ، طالما أن سياسة موسكو قد خلقت أجواء لا تساعد على تنمية العلاقات مع دول المنطقة ولا تساعد الاقتصاد الروسي على التنمية مع تلك المنطقة بسبب ارتباط موسكو مع طهران بسياسات ذات طابع عدواني وتأييدها لنزعات طهران التوسعية العدوانية والتنسيق معها سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا في عدواناتها المستمرة ، فإن الحديث عن أسواق عربية وإسلامية وشرق أوسطية يمسي حديثًا يرتبط بالنيات السيئة الروسية إزاء واقع العدوان الإيراني منذ عام 1979 وحتى الوقت الحاضر .. فما دامت موسكو ترتبط مع إيران التي توسع نفوذها العسكري والأيديولوجي في المنطقة العربية وتؤثر سياستها على أمن واستقرار العالم ، فلن تجد موسكو في أسواق تلك الدول المهددة ما يمهد للانفتاح عليها اقتصاديًا وسياسيًا ، وهو أمر طبيعي .

فتعاون روسيا مع إيران العدوانية وقطر الإرهابية ، ليس كافيًا لتنوع الاقتصاد الروسي وخاصة في ظل العقوبات النفطية على إيران والتي تشمل من يتعاون معها ما لم تكف إيران وتتراجع خلف حدودها الإقليمية .

- إن نسبة 40% من حاجات أوربا للغاز الروسي عبر تركيا ستنخفض في حالة تصدير ما تنتجه حقول نفط وغاز حوض البحر الأبيض المتوسط نحو اليونان ومنها إلى أوربا .. وهو المشروع الاستراتيجي الذي تسميه أمريكا بـ( محور الطاقة ) للبحر المتوسط والذي تحدث عنه ( جو بايدن ) نائب الرئيس الأمريكي السابق .

- أمريكا ستستخدم ( محاور الغاز والنفط الأستراتيجية الجديدة في البحر المتوسط ) للضغط السياسي على موسكو ، فمن الصعب التأكيد على الشراكة الاستراتيجية في مجال توريد النفط والغاز ، لأنهما يرتبطان بالتقلبات التي تضعها السياسات الاقليمية والدولية .. فمشروع ( السيل التركي ) يضم خطان يحمل كل واحد منهما قدرة تسويقية تصل إلى (15.75) مليار متر مكعب من الغاز لكل من السوق التركية والأوربية .. وهما خطان لم يكتملا بعد ، وما دامت تركيا تتأرجح سياستها بين شرق متساهل حذر وغير موثوق به وبين غرب ضاغط نوعًا ما بغباء تبعًا لمصالحه ، فإن تركيا لن تتخلى عن توجهها الغربي ، لأنها لا تستطيع أن تأتمن موسكو .. وبقدر توجسها وهو إحساس بدرجات المخاطر التي تتعرض لها السياسة الخارجية التركية ، فإن خطر روسيا ليس وشيكًا ولا ماثلاً ، إنما يظل خطرًا قد يستيقظ فجأة على الحدود .. هذا التوصيف هو ما حددته الخارجية التركية حيال موسكو وأثينا وكذلك إيران .. أما الخطر الكردي فهو داهم ومستمر .. وما دامت المخاطر هي التي تحدد طبيعة المصالح ، فإن المصالح ، خاصة ما يتعلق منها بالنفط والغاز ترتبط بالسياسات ، فمثلاً : ماذا سيكون عليه الأمر إذا ما فتح الغرب أبوابه لقبول تركيا في الاتحاد الأوربي ؟ ، وتعزيز الوضع التركي في الناتو ، هل تبقى سياسات النفط والغاز على حالها ؟ ، ما دام التنافس والصراع قائم على منع الخصم الروسي من أن يصل إلى هدفه باستعادة إرث الاتحاد السوفياتي أو أن يتبؤ مكانة الثنائية القطبية التي لن تظهر على المسرح السياسي الدولي من جديد أبداً ؟! .

- الآن ، إيران وبعد 4 / نوفمبر من العام الجاري الخاص بعقوبات النفط وتفكيك شبكات اقتصادها واتصالاتها غير المشروعة ، وتدميرها ، وهي الشبكة العنكبوتية التي من خلالها تلتف على العقوبات الاقتصادية منذ 36 عامًا بشركات وهمية تغطيها نفقات مضاعفة بمليارات الدولارات ، وانسحاب الشركات الأجنبية من إيران ، وسقوط العملة الإيرانية وفضح قائمة بأسماء وهويات الشركات الإيرانية الوهمية والشركات الوسيطة والسماسرة الدوليون المرتبطين بهذه الشبكة والذين يسهمون ويسهلون معاملات الالتفاف على العقوبات ، أضحت إيران ، عارية تمامًا .. فهل يتكئ الروس على جدار إيران المتهدم الآن وفي قادم الأيام ؟ ، وهل يستمرون مع الإيرانيين إلى آخر الشوط في سوريا وفي المنطقة بسياستهم التوافقية النفعية وجدران إيران تتهدم تدريجيًا الواحدة بعد الأخرى ؟ ، وكيف يمكن لدولة ( عظمى ) كروسيا أن تتعامل عسكريًا مع ميليشيات إيرانية وسياسيًا مع عصابات المافيا في طهران وفي الخارج ، وإلى أي مدى ؟ .

شرايين إيران تتقطع والنزيف مستمر والغطرسة مستمرة والأغبياء الذين يسيرون عميٌ وراء أوامر رؤساء المافيات الكبار والصغار .. ومع ذلك ، فأن عقلية بوتين ليست عقلية رجل دولة ، إنما عقلية رجل الـ(KGB) ، يتعامل مع الميليشيات والمافيات وينسق معها في غرف العمليات في سوريا مثلاً ، وترى هذه العقلية أن ( الصواريخ ) وليس ( الاقتصاد ) ، هي التي تصنع القوة والمكانة وتخلق الهيبة وتستقطب العالم وتخلق الأسواق الاقتصادية وتحقق الرفاهية والأمن والاستقرار في العام !! .

23/ تشرين الثاني/ 2018

Featured Posts