الرفيق المجاهد صلاح المختار - 23 شباط ، عقدةٌ أم ردّةٌ


23 شباط : عقدة أم ردة ؟


صلاح المختار


مرت يوم 23 شباط ، ذكرى ردة كانت من أخطر تحولات الوطن العربي الكارثية والتي مهدت لما نحن فيه الآن ففي ذلك اليوم من عام 1966 وقع انقلاب دموي عسكري في سوريا قامت به مجموعة متنافرة من الحزبيين كانوا قياديين في الحزب والحكم وأخطرهم وأبرزهم حافظ أسد ، وأدت للإطاحة بحكم البعث الشرعي وشق الحزب أفقياً وعمودياً واغتيال الكثير من البعثيين وتغيير توجهات التنظيم الذي استلم الحكم بعد تلك الحركة .

ومن مخاطر تلك الردة أنها جاءت بعد أن واجه الحزب ردة 18 -11-1963 في العراق التي أسقطت نظام البعث الفتي وهو لم يكمل العام الواحد فجاءت ردة 23 شباط في سوريا مصممة كما أكدت كل الأحداث اللاحقة لبث اليأس في نفوس البعثيين خاصة والعرب عامة من قدرة البعث على الحكم وتطبيق أهدافه الوطنية والقومية والاجتماعية .

فردة تشرين في العراق وردة شباط في سوريا بهذا التدرج التطبيقي كانتا جزء من مخطط يقوم على منع بقاء البعث في الحكم وإن وصل يجب إسقاطه بكافة الذرائع والطرق إذا لم توافق قيادته على شروط الغرب والصهيونية ، والأنكى في تلك الخطة هو أن تدمير البعث يجب أن يتم باسم البعث وهذا ما نفذه حافظ أسد .

وكاتب هذه السطور أحد الذين عاشوا تلك الفترة ثم شارك في أحداثها من موقع إدنى ثم من موقع أعلى ، ولهذا فهو شاهد حي ومباشر على حقيقة ما طرح من شعارات ثم ما ظهر من حقائق واقعية تنقض بصورة صارخة تلك الشعارات ، فهو ليس قرأ وسمع بل رأى وعاش وشارك .

فما هي حقيقة 23 شباط وطبيعتها كما تبلورت في الواقع وليس كما قيل أو تمنى البعض ؟ :

1- قامت حركة 23 شباط على ادعاء أنها ( تمثل انتفاضة يسارية على القيادة القومية اليمينية ) ! ، وكان أول نقض لذلك الادعاء اللجوء لاستخدام الدبابات لحسم خلاف داخل الحزب ، فالقيادة القومية لم تلجأ للعنف ولا منعت الجدل والنقاش ولا أقصت أحداً ممن اختلفوا معها في الرأي ومع ذلك قام حافظ أسد ومن معه بتلك الحركة الدموية وأسقط سلطة البعث وحكم بالإعدام على القائد المؤسس الرفيق أحمد ميشيل عفلق ، رحمه الله ، واغتال الشهيد صلاح الدين البيطار أحد أهم مؤسس البعث وعشرات البعثيين الآخرين إضافة لمن كان شريكاً أساسياً لحافظ في الردة .

وهذا هو الاعتراض الحاسم والثابت على هكذا نوع من الحلول غير النظامية والتي تؤدي إلى تفكيك منظومة الانضباط الحزبي وهو من أهم مصادر قوة أي حزب ثوري ومحافظته على هويته الأصلية ، فحالما يضعف الانضباط تبدأ بقية الخروقات الأكثر خطراً بالظهور .

2- الشعارات اليسارية لحركة 23 شباط ثبت أنها غطاء لردة اجتماعية واقتصادية ووطنية وقومية في آن واحد وليست حركة يسار ضد يمين ، فحافظ أسد زرع نظام فاسد حتى العظام أصاب النظام السياسي والدولة السورية وامتد إلى بعض المجتمع بآفة سرطانية أدت إلى تحول النظام إلى ( مافيا ) فرضت سيطرتها على الاقتصاد السوري فآثرت عائلة الأسد وأقاربه وأدواته البشرية وأحكمت عناصر من العلويين ، بل من النصيريين تحديداً ، قبضتها على الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وصارت الطائفية إحدى أهم سمات نظام الحكم وانهار القطاع العام أمام زحف الفساد والرأسمالية الطفولية .

3- على المستوى االوطني سلم حافظ أسد الجولان لإسرائيل الغربية دون قتال بعد أن أعلن سقوطها بيد القوات الإسرائيلية في وقت كانت فيه القوات السورية موجودة ولم يتسلل جندي صهيوني واحد إلى الجولان ، وبعد عقود تبين أن تسليم الجولان كان جزء من صفقة دعم وصول حافظ أسد للحكم وانفراده بالسلطة في سوريا كي يطبق مخططاً صهيونياً غربياً .

وحتى هذه اللحظة وبعد مرور أكثر من نصف قرن على احتلال الجولان لم يفسر نظام أسد الأب ولا ابنه لِمَ أعلن عن سقوط الجولان وهي لم تسقط بعد ولم بقيت كل هذه الفترة بدون تحريرها ؟ .

4- عندما اجتمع حافظ أسد بالرئيس الأمريكي " بيل كلينتون " في جنيف عام 1994 ، قال كلينتون إنه حصل على تنازلين منه في ذلك الاجتماع هما " استعداده للاعتراف بإسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الجولان ، واستعداده للانسحاب من لبنان مقابل حل شامل لمشكلة الشرق الأوسط " .

وبتاريخ 27/10/ 1994 ، ألقى حافظ أسد بياناً في ختام محادثاته مع الرئيس الأمريكي " بيل كلينتون " في دمشق ، قال فيه : أعبر عن ارتياحي العميق لتطابق وجهات نظرنا حول أهمية تحقيق السلام الشامل على أساس قراري مجلس الأمن /242/ و/338/ ومبدأ الأرض مقابل السلام ، لقد أكدت للرئيس كلينتون التزام سورية بعملية السلام وسعيها الجاد إلى سلام عادل وشامل ، باعتباره خياراً استراتيجياً - ( شبكة الأسد نيت السورية الرسمية تحت عنوان : السلام في فكر ونهج الرئيس الخالد حافظ الأسد ) .

5- ومن التفسيرات المهمة جداً لعدم إكمال حافظ عملية السلام وتردده هو ما قاله لبيل كلتنون أثناء لقاءه معه في جنيف من أن السلام لن يحل في الشرق الأوسط إلا بعد حسم موضوع العراق الذي كان تحت الحصار ، أي أنه قصد ضرورة إسقاط نظام صدام حسين قبل إقدامه على أي خطوة عملية على طريق ( السلام ) لأنه يخشى فضحه من قبل العراق إذا أقدم على الصلح مع إسرائيل الغربية ، ولذلك كان أسد يطالب عملياً بإنهاء نظام البعث في العراق كشرط للتطبيع مع إسرائيل الغربية .

حافظ أسد بهذه التبدلات الرسمية في موقف سوريا أنهى أي صلة له بالبعث لأن البعث قام أساساً منذ تأسيسه على هدف مبدأي ثابت هو تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، وكان ذلك آخر ما نطق به القائد الشهيد صدام . وهذا التبدل أنهى مقولة ( المقاومة والممانعة ) فلمن يقاوم إذاً قبل الاعتراف بإسرائيل ؟ .

6- عندما استلم خميني الحكم قدم أسد المزيد من الأدلة على خيانته القومية بعد خيانته الوطنية فقد عقد تحالفاً استراتيجياً مع نظام خميني ضد العراق الذي كان البعث يحكمه ، ووصل تحالفه هذا مرحلة دعم حرب خميني ضد العراق بكافة السبل لأجل تحقيق النصر على العراق ، ولئن كان كل ما تقدم خطيراً فإن جريمة حافظ أسد الأكبر بحق العراقيين والإيرانيين والعرب عامة هي إفشاله تطبيق قرار الصلح الذي اتخذه النظام الإيراني بين العراق وإسرائيل الشرقية ، فقد عرف بأن النظام الإيراني بعد وفاة خميني وهزيمة إسرائيل الشرقية في الحرب ويأسه من إلحاق الهزيمة بالعراق ، قرر المصالحة معه فركب حافظ طائرة وغادر إلى طهران بدون دعوة وهناك بقي عدة أيام يتجادل مع قادة النظام لإقناعهم بالتراجع عن قرار المصالحة مع العراق إلى أن أقنعهم !!! ، وبذلك يكون حافظ اسد مسؤولاً عن كافة كوارث العراق والعرب والإيرانيين بعد تلك الواقعة ، فلو لم يقم أسد بذلك لتجنبنا ما حدث في العراق والوطن العربي عامة أو أغلبه ، وهذه الواقعة وثقها الشخص الثاني بعده في النظام " مصطفى طلاس " في مدونته على الانترنيت .

7- ولئن كان حافظ أبقى على شكليات الحزب مثل اسم البعث وتشكيلاته التنظمية على حالها تقريباً فإن بشار تراجع ليس عن شكليات التنظيم فقط بل عن هويته القومية : فقد ألغى الإطار القومي لتنظيمه رغم أنه كان مجرد تسمية وحول بقاياه في بعض الأقطار إلى تنظيمات مستقلة ، فضرب أحد أهم سمات البعث وهو أنه حزب قومي التنظيم ترجمة لعقيدته القومية .

وعلى مستوى الهوية الوطنية والقومية ، فإن بشار أعلن تخليه عن مفهوم المواطنة والانتماء القومي كما عرفه العرب واتفقوا عليه بتأكيده الرسمي أن سوريا " ليست لمن يسكن فيها بل لمن يُدافع عنها " في خطابه أمام النقابات وغرف الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة بتاريخ 26 تمُّوز 2015 ، وهذا الاعتراف ينهي مرحلة التستر بأي غطاء وطني وقومي لأنه يجعل الإيراني والأفغاني والباكستاني سوريّاً بينما يحرم أكثر من عشرة ملايين سوري هجروا من الجنسية السورية وهذه خطوة توجت خطوات حافظ أسد لإنهاء عروبة سوريا وتحويلها إلى كيانات هجينة ومعادية للأمة العربية .

8- بعد الانتفاضة السلمية في عام 2011 ، قام بشار بممارسات أشد وحشية من ممارسات والده وعمه رفعت اللذان قتلا عشرات الآلاف من السوريين ، فبشار بدلاً من الاستجابة لمطاليب سلمية فتح النار وقتل العشرات ثم أخذ يشن هجمات عسكرية وأمنية على المواطنين فنشبت أخطر الصراعات الدموية في التاريخ السوري ، وأكمل جريمته بجلب إسرائيل الشرقية ونغولها العرب خصوصاً حزب الله لقمع الشعب العربي السوري ، وأخيراً طلب من روسيا التدخل فكانت هي وإسرائيل الشرقية من أبقى بشار في الحكم .

9- ومن مظاهر فقدان الجيش السوري لهويته الوطنية هو مشاركته في الحرب ضد العراق في عام 1991 تحت قيادة القوات الأمريكية ، مكملاً بذلك مشاركته في الحرب الإيرانية ضد العراق بين عامي 1980و1988 ، فهل يمكن القول بأن هذا الجيش بقي جيشاً عربياً وسوريّاً ؟ ، لقد حقق حافظ وبشار واحداً من أهم أهداف الغرب والصهونية وهو تدمير الجيوش الوطنية العربية .

إذا كتفينا بما تقدم وهو جزء من انحرافات وجرائم نظام أسد في عهدي حافظ وبشار فإن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو التالي : هل بقي هذا النظام يحمل أي سمة وطنية وقومية ناهيك عن السمة البعثية ؟ ، الجواب بالتأكيد هو كلا خصوصاً وأنه الآن أصبح رسمياً وعملياً تابعاً لإسرائيل الشرقية أكثر مما هو تابع لروسيا وفقدت سوريا استقلالها الوطني .

ولئن كان حافظ حليفاً قوياً لخميني ولرفسنجاني فإن بشار تابع ذليل لخامنئي ولبوتين ، وهذه حقيقة يعرفها كل منزه عن الفساد الأخلاقي أو الخيانة القومية .

وهنا نصل إلى النتيجة الحقيقية لممارسات نظام أسد طوال نصف قرن وهي أنه نظام ردة ليس داخلية اجتماعية واقتصادية فقط بل هو نظام ردة وطنية سورية عن الثوابت الوطنية وردة قومية عربية عن الثوابت القومية العربية وفي مقدمتها عدم الاعتراف بإسرائيل الغربية ورفض الانبطاح لإسرائيل الشرقية ، فهل يمكن لنظام هذه مواصفاته أن يحسب ضمن الصف القومي أو الوطني كي نفكر مجرد تفكير بالتصالح معه ؟ .

إن من يتحدثون عن ( عقدة 23 شباط ) وهي أُطروحة تنفي وجود ردة ، ويدعون لتجاوزها إنما يمهدون لردتهم العلنية بعد أن ارتدوا سراً كما يبدو من طروحاتهم ، إنهم بيادق متخفية تحركها المخابرات الإيرانية ولكنها تتحرك تحت مسميات قومية عربية لإنهاء آخر مظاهر الهوية القومية ، وهذا يفسر أسباب هجماتهم المركزة وبقوة على من يفضح خطط إسرائيل الشرقية .

Almukhtar44@gmail.com

24-2-2019

Featured Posts