الرفيق المجاهد صلاح المختار - ما الذي يميز الانتفاضة في السودان والجزائر ؟


ما الذي يميز الانتفاضة في السودان والجزائر ؟

صلاح المختار


ليس ثمة شك في أن الانتفاضة الشعبية في السودان وفي الجزائر تتميز بسمات نوعية عن الانتفاضات العربية في مصر وتونس وعن الصراع الدامي في اليمن وسوريا وليبيا ، والآن وبعد عدة تحولات إيجابية ملفتة للنظر في كلا القطرين الشقيقين يمكن تسجيل الملاحظات التالية :


1- الإيجابية الأولى في الانتفاضة في السودان والجزائر حتى الآن هو سلميتها ليس فقط حرصاً على أرواح أبناء الشعب بل أيضاً لمنع اتخاذ العنف ذريعة لتدخلات القوى الفاشية في النظام والأخطر منها تدخلات دولية وإقليمية لصالح قوى الردة ، فالسلمية منعت تقديم مبرر للحسم عنفياً وهو مقتل الانتفاضة في القطرين لأنه يفتح الأبواب لجحيم الفوضى الهلاكة كما نراه في سوريا واليمن وليبيا ، وهي هلاكة لأنها فوضى تتيح لكافة الكتائب المخابراتية المتنقلة كداعش والقاعدة التدخل وخطف الانتفاضة وإجهاضها بتحويلها إلى صراعات دموية من نوع آخر يضرب الوحدة الوطنية في الصميم كما حصل في سوريا .


2- في السودان توجد قوى معارضة منظمة قوية ولها تاريخ عريق وامتدادات جماهيرية ولها تقاليد نضالية لهذا كان لها دور قيادي هندسي في الانتفاضة ولم تلتحق بها بعد تفجرها كما حصل في مصر وتونس اللتان تنتشر فيهما أحزاب النخب وتغيب عنهما أحزاب الكتل الجماهيرية الضخمة ما عدا الأخوان المسلمين في مصر ، وهذه الميزة تمكن القوى الوطنية السودانية والجزائرية من السيطرة النسبية على مسار الانتفاضة ومنع تحويلها إلى فوضى هلاكة كما حصل في مصر وتونس وليبيا لغياب القوى الكبرى المنظمة .


3- في مصر وتونس واليمن وليبيا كان المبادر هو ما سمي بـ( شباب الفيس بوك ) وهم مجموعات أُعد أغلبها في ( معاهد الديمقراطية وحقوق الإنسان ) التابعة للمخابرات الأمريكية والموساد ونفذت تعاليم ضابط المخابرات الأمريكية ( جين شارب ) في كتابه ( من الديكتاتورية إلى الديمقراطية ) والذي صار ( دليل الثورات الخضراء ) وطبقت تعاليمه في استونيا ولاتفيا ولتوانيا وبولندا وألمانيا الشرقية ورومانيا صربيا وأوكرانيا وجورجيا ثم في مصر واليمن وتونس وليبيا ، فاسقطت نظم بواسطة شباب أعدتهم المخابرات الأمريكية بطرق سلمية تدعمها المخابرات الأمريكية إعلامياً وسياسياً ومالياً ، وكان أبرز المدربين سرديا بوبوفيتش ، وسلوبودان دينوفيتش ، القياديان في الحركة الطلابية الصربية ، وهذان الشخصان أسسا رسمياً « مركز خطط واستراتيجيات اللاعنف » ، وأخذا يسافران حول العالم ليُدربا نشطاء الديمقراطية من 46 دولة مختلفة من بينهم شباب عرب من سوريا ومصر واليمن وليبيا وتونس وغيرها .

ولو نظرنا إلى مصر مثلاً لرأينا أن أبرز شخصية شبابية قادت الانتفاضة عند تفجيرها المبرمج هو وائل غنيم الشاب المغمور الذي سلطت الأضواء الاعلامية الغربية عليه لتنفيذ خطة استثمار الغضب الشعبي العارم على نظام حسني مبارك الفاسد والمستبد ، كما أن ( مجموعة 6 أبريل ) دربتها المخابرات الأمريكية ومولتها وهذه حقائق ثابتة لكن هؤلاء اختفوا ما إن وصلت الانتفاضة ذروة إسقاط النظام فتقدمت الاحتياطيات الأمريكية للقبض على السلطة بدل مبارك وحولت الانتفاضة إلى عملية تغيير رموز النظام وليس إسقاطه .

السؤال الجوهري هو : هل وصلت هذه الظاهرة للسودان والجزائر ؟ ، وإذا كان الجواب نعم ، فلِمَ فشلت في حرف الانتفاضة عن مسارها التحرري التقدمي وبقيت الانتفاضة السودانية والجزائرية تحقق تقدماً ملحوظاً حتى الآن ؟ .


4- التركيب التربوي للسودان والجزائر يتميز بقوة التقاليد الأصلية للمجتمع والتي تعرضت لأقل التأثيرات الغربية مقارنة بما حصل في أقطار عربية أُخرى مثل مصر وتونس وغيرهما ، فالسوداني والجزائري ، مثل العراقي والموريتاني واليمني ، يتميز بالتفكير الواحد المباشر المقيد بثوابت قوية ، فلا يناور ويتكتك من أجل إعطاء الانطباع ونقيضه في آن واحد ، فوجدت كتل شعبية لا تمارس سلوكاً هو أقرب للانتهازية وازدواجية المعايير أو هشاشة الموقف ، وهذا هو أحد أهم أسباب صعوبة اختراق المخابرات المعادية للسودانيين العاديين وتركيزها على نخب فوقية خصوصاً في الجيش وقوى الأمن .


5- بقيت الانتفاضة على مسارها الأصلي حتى الآن في السودان والجزائر لأن القوى الوطنية خططت الانتفاضة وليس شباب الفيس بوك ، في حين أن مصر وتونس تعرضت فيهما الانتفاضة للاختراق المباشر فسيطر رجالات أمريكا في مصر بعد إسقاط مبارك ورجالات فرنسا وأمريكا في تونس بدل الحركة الشعبية التي تتميز بأنها نخبوية وتفتقر إلى الجماهير الواسعة .


6- بسبب ما ذكر فإن الخيارات المتبقية لقوى الردة في السودان والجزائر ومن يقف وراءها كانت استثمار وجود عناصر في الجيش لاستبدال رمز برمز آخر من النظام وإعادة تركيبه بطريقة تضمن بقاء التأسيسات العميقة للنفوذ الخارجي خصوصاً المخابراتي والذي كان يتحكم عموماً بالنظم العربية .

ومن الضروري تذكر أن المؤسسة العسكرية في الأقطار العربية تقع ضمن نطاق الاهتمام الأول لأمريكا والغرب والصهيونية لهذا فإنها تزرع فيها عناصرها وتزيح كل عسكري وضابط أمن وطني .

وما يجري الآن في السودان والجزائر يمثل محاولات لاحتواء الانتفاضة لأجل بقاء هيكل وأسس النظام ، ومنعها من تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الفساد وتحقيق التقدم ، ولهذا يعمل جنرالات في الجيش على احتواء الانتفاضة بترضيات واضحة لكنها لم تمس حتى الآن أساس النظام ، وهنا يكمن الخطر الأكبر على الانتفاضة وهو ما أدركته القوى الوطني المنتفضة فتمسكت بهدف إسقاط النظام برمته .


7- الصراع الآن في السودان هو بين الانتفاضة الوطنية المنظمة وجنرالات النظام نفسه فليس منطقياً أن يبقي النظام جنرالات في قمة هرم الجيش إذا لم يكن متأكداً من ولاءهم له ، ومن ايجابيات الانتفاضة أن من يقودها قوى وطنية راسخة الوعي وعميقة التجارب وليس ( شباب الفيس بوك ) العفويين والهشين وهم من أوصل اليمن وليبيا إلى الحالة الكارثية ووضع تونس ومصر على مسار كارثة تتشكل تدريجياً .


8- وأهم ما يجب التذكير به هو أهداف القوى المعادية للأمة العربية فمادام الهدف الاستراتيجي الغربي الصهيوني هو تقسيم السودان ومحو عروبته وهو نفس الهدف في الجزائر فإن نشر الفوضى الهلاكة في السودان والجزائر سوف يكون محركاً لمواقف الغرب والصهيونية مما يجري .


9- من المتوقع عدم استمرار التحالف الواسع النطاق الحالي الذي فجر الانتفاضة ويقودها لأن هناك قوى مستعدة لصفقة مع بقايا النظام المنهار ناهيك عن وجود كتل معادية للقوى التحررية والقومية السودانية ، من هنا فإن القوى الوطنية التقدمية في السودان مطالبة بتبني استراتيجية خاصة بها تنفذها هي معتمدة على قواها دون المراهنة على موقف قوى أُخرى داخل التحالف الحالي ، والتي ستتساقط تدريجياً في أحضان العسكر لترجيح كفتهم ، ولهذا أكد المجلس العسكري بأنه يريد جمع كافة القوى السودانية وتلك إشارة واضحة لحزب البشير .

ومن الضروري تذكر أحد أهم دروس العقود الأربعة الأخيرة وهو أن الأحزاب الإسلاموية ومهما اختلفت فيما بينها فإنها تقف موحدة ضد القوى القومية العربية .


10- كذلك ، لابد لقوى التغيير أن تعد العسكر المتعاطفين معها بكافة مراتبهم ليوم صعب قادم ، فالسلمية سوف تخرقها قوى الردة المتخفية وبتشجيع خارجي غربي صهيوني وربما إيراني ، ولدينا تجارب في تونس واليمن حيث كانت هناك فرق قناصة أجانب دخلوا وأخذوا يقومون باغتيال المتظاهرين وهو ما غذى العنف فيهما لأجل تحويل الانتفاضة إلى فوضى دموية هلاكة .

ولأن بعض العسكر في القطرين الشقيقين لهما مصلحة جوهرية ببقاء أسس النظام المنهار فلابد من تعزيز الصلات بالعسكر الجيدين ذوي الرتب العالية وعدم التفريط بهم حتى لو كانوا غير منسجمين في بعض الجوانب مع القوى الشعبية المنتفضة فلابد من منع توحد كل العسكر ضد الحركة الوطنية التقدمية .

يبقى السؤال المهم الذي ينير الجواب عليه مسار الأحداث هو : هل أن القوى الخارجية التي خططت لتقسيم السودان والجزائر ومحو هويتهما العربية ستقبل بسقوط نظام مهد الطريق بسياساته للتقسيم ومحو العروبة ؟ ، يقيناً الجواب هو كلا وستحاول بطرق مختلفة تحقيق نفس الأهداف المرسومة ، ولهذا لابد من توفير ضمانات وطنية .

ما حدث في الجزائر والسودان منذ التسعينيات من أزمات بعضها أدى لموت عشرات الآلاف ووجه ضربات قوية للاقتصاد والأمن وتعاظمت الفتن العرقية والطائفية وظهرت نزعات لم تكن موجودة أو كانت هامشية ، كانت من تخطيط مخابرات معادية وهذه الجهات لن تتخلى عن خططها .

وبناء عليه فإن الضمانة الأساسية لانتصار الانتفاضة الحاسم هي ليس فقط في التمسك بمطاليب الانتفاضة بل الأهم عدم الاكتفاء بالاتفاق بين القوى المنتفضة على خط عام لمسار الانتفاضة ولابد من تبني استراتيجية وطنية تحدد مسار تطورها بوضوح لتجنب الردة وهي المدخل الحتمي لجحيم الفوضى الهلاكة .

وأبرز أولويات الاستراتيجية الوطنية هي تأكيد أن الوحدة الوطنية لكل من السودان والجزائر رهن بترسيخ عروبتهما وتحييد كافة النزعات الانفصالية وتحت أي غطاء ظهرت ، فلا ضمانة لوحدة السودان والجزائر بدون التمسك بالهوية الوطنية وبانتمائهما العربي وبدفع كافة الهويات الفرعية السابقة للوطنية للخلف ، وبعد ذلك تأتي حتمية التعددية السياسية والتمسك بمبدأ المواطنة المتساوية بين الجميع وتحريم اللجوء للعنف في حسم الخلافات السياسية .

Almukhtar44@gmail.com

22-4-2019