الرفيق المجاهد صلاح المختار - نقد نظرية ترييف المدينة ، الحلقة الرابعة


نقد نظرية ترييف المدينة

الحلقة الرابعة


- صلاح المختار -


3- من السهل ملاحظة أن أكبر داحض لنظرية ترييف المدينة هو الأجابة على الأسئلة التالية المترابطة :

هل ما فعله الغرب وعلى رأسه أمريكا من أعمال لا إنسانية تتسم بالغدر واللصوصية والإبادات الجماعية للشعوب الأُخرى وما قام به قبل ذلك من إشعال حربين عالميتين بين لصوص العالم كانتا تهدفان للنهب والسيطرة على أسواق العالم ودوله هو ثمرة نزعة بدوية أو ريفية ؟ .

قادة ونخب حواضر الغرب المدينية هم الذين دشنوا عهد استعمار ونهب وغزو ولصوصية واحتقار لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية ، ثم توجوه بعصر الامبريالية الأمريكية المدعومة من أوربا وهو العصر الأشد ظلامية وظلماً وانتهاكاً لإنسانية الإنسان في التاريخ البشري ، هل قادة الغرب هؤلاء من أبناء الريف المتخلف أو من أبناء المدن الحضرية ؟ .

العصر الحديث تميز بسمتين ، إحداهما تنقض الأُخرى :

السمة الأولى ، أنه العصر الذي تحققت فيه أعظم الانجازات التقدمية في التاريخ في مجال العلوم والتكنولوجيا وهذا هو الوجه المشرق للغرب ، أما السمة الثانية ، فهي ، أنه بنفس الوقت العصر الأكثر وحشية وظلامية وغياباً للقيم الإنسانية قبل غياب القيم الأخلاقية نتيجة إمساك نخب غربية بورجوازية بمقود عالم متقدم ولكنها نخب تحقّر الإنسان وتتعمد استغلاله واستعباده وإذلاله ، فرغم الغطاء الليبرالي والتقدم العلمي - التكنولوجي فإن الغرب مارس حروب النهب العلني للعالم الثالث وتقاتل فيما بينه في أكثر حروب البشرية دموية وخسائر بشرية ومادية وهما الحربين العالميتين الأولى والثانية ، توجت الثانية منهما باستخدام السلاح النووي دون الحاجة له ، والغرب هو الذي أشعل الحروب وليس العكس وتسبب في كوارث العالم الثالث الذي نهبت ثرواته ودمرت بلدانه عمداً وتخطيطاً وهجر عشرات الملايين كعبيد إلى أمريكا الشمالية والجنوبية ! ، ووصلت نزعة استعباد الإنسان حد العمل على السيطرة عليه من داخله بالتحكم السايكولوجي والجيني به وتحديد خياراته في الأكل واللبس وما يجب أن يحب ويكره ووضع تحت رقابة شاملة ، فحوِّل الإنسان إلى مخلوق مجرد من الإرادة والتفكير الحر .

الحقيقة التاريخية المعاشة تؤكد بربطها بما حصل في العالم عبر التاريخ بأن أصل النهب والعدوان والأنانية المتطرفة محرك مندس في الطبع البشري الذي توقظه وتنميه وتغذيه تربية سيئة تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة المادية فيسود الفقر والأمية وتتشوه التربية الأخلاقية فتنشأ كتل بشرية تغلبت في داخلها نوازع العدوان والنهب والسيطرة على الآخرين خارج أي حدود أخلاقية وقانونية ، ويتجلى ذلك في السلوك الفردي المنحرف وصولاً لقادة دول مجرمون كبوش الصغير ونتنياهو مروراً بالمافيات القوية .

فالإنسان مخلوق يحمل في داخله إمكانيات الشر مثلما يحمل إمكانيات الخير وما يغلب أحد هذين الطبعين هو الظروف المادية والتربية الاجتماعية والعائلية .

وبناء على هذه الحقيقة نرى بأن أعمال هوامش البدو وأهل الريف السلبية ليست سوى تعبير عن طبع إنساني غلبته قهرياً بيئة قاسية فقيرة في الصحراء بالأصل وأجبرت الإنسان على البحث مضطراً عن موارد العيش وإلا مات جوعاً أو عطشاً ، فكان النهب شكلاً من أشكال السعي للبقاء الإنساني في عالم قاس لا يرحم .

ولكن مشكلة البشرية الأخطر في كل تاريخها هي أن الطبيعة الشريرة في الإنسان تغلبت على الطبيعة الخيرة ، في أوربا خصوصاً ، في النخب المسيطرة مالياً أولاً ثم في أمريكا بطريقة أنتجت عصوراً من الظلم والإبادة والنهب والقسوة والتحكم في الإنسان غير مسبوقة ولا يوجد نظير لها في كافة مراحل التاريخ بما في ذلك في مراحل الوحشية والتخلف الإنساني ، فالغرب الأوربي مارس الإبادات الجماعية لسكان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بتعمد وتلذذ فنشأت دول من النهابين الأوربيين في جنوب أفريقيا واستراليا وفلسطين إضافة للناهب الأكبر المستعمر الأبيض الذي سرق قارة أمريكا الشمالية كلها وأباد 112 مليون هندي أحمر من أجل ذلك ، ثم أخذ الغربي الأبيض ينهب الثروات من المستعمرات التي بنيت بها أوربا ، ويكفي أن نذكر هنا بأن ما سرقته بريطانيا من الهند فقط أثناء استعمارها لها يفوق كل ما كان في خزائن أوربا من ثروات كما أكد كارل ماركس في كتابه ( في الاستعمار ) ، فالفقر في الهند وغيرها والثراء الحالي لبريطانيا وأوربا أصله عمليات نهب ثروات القارات الثلاث فبه تعززت الرأسمالية تقدمت وحققت أعظم تقدم علمي وتكنولوجي ! .


4- نتحدي كل غربي أو مؤيد للغرب أن يقدم لنا مثالاً واحداً من التاريخ يفوق في وحشيته وما حصل به من نهب يفوق ما قامت به أمريكا وحدها ، ناهيك عن دول الاستعمار الأوربي كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وغيرها ، فسلاح الإبادة الجماعية النووية وغيرها من صنع غربي ، وتحويل الإنسان إلى سلعة تباع وتشترى في زمن عبودية رهيب غطاؤه ليبرالية شكلية وتمثل في مأسسة العهر ( الرقيق الأبيض ) والتحكم في الإنسان حتى جينياً ونفسياً من صنع غربي ، ولن يستطيع أحد مهما أُوتي من المنطق والثقافة أن يقنع أُمياً عراقياً وسورياً وليبياً ويمنياً بأن كوارث الأمة العربية الحالية ليست من صنع غربي صهيوني ، ولا أن ينفي الاستخدام المكثف والمنظم لليورانيوم المنضب وغير المنضب في الحروب العدوانية الأمريكية ضد العراق ويوغسلافيا وسوريا واليمن وليبيا والتي خلفت نتائج كارثية مثل التشوهات الجينات الوراثية .

ودمر الاستخدام المكثف لوسائل الحرب الحديثة البيئة في العراق والكويت وسوريا والجزيرة العربية وتحركت الطبقات الأرضية لأول مرة منذ ملايين السنين بسبب ثقل الآليات التي سيرت عليها فتغير مجرى المياه الجوفية الملوثة وتغيرت بعض معالم الحياة الآن وسوف يستمر التغيير الكارثي للبيئة بصورة أشد خطورة لاحقاً .

فهل هذه الأمثلة ، على لصوصية الغرب ووحشيته وهي مجرد نماذج من جرائم هزت العالم كله ومازالت وتسببت بأكبر الهجرات في التاريخ البشري هرباً من الموت والتجويع المنظم لمليارات البشر ، إلا دليل حاسم على أن الغرب هو أكبر ناهب وأخطر سفاك للدماء والأشد انتهاكاً لحرمة الإنسان في التاريخ ؟ .

أيهما أفضل وأنزه وأكثر إنسانية ورحمة ، البدوي المضطر للنهب والقتل أم المديني الشبعان حد التخمة والمالك لثروات أصلها النهب تكفي لشعوب كاملة ومع ذلك يغزو ويقتل الملايين ويضطهد ويستعبد ملايين أُخرى ، كما فعلت أوربا الاستعمارية وأمريكا الامبريالية ؟ ، الجواب الواضح هو ، إن أعمال هوامش البدو السلبية تبدو بسيطة وعادية ومحدودة الضرر جداً مقارنة بأعمال الغرب المتحضر والمديني .


5- شارون لا يختلف عن بيجن ولا عن بوش الصغير ولا عن الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي تبادل القبل مع القذافي لكنه قتله بعد أن أخذ ملايينه لدعم حملته الانتخابية ، ولا يختلف عن كاليغولا أو نيرون وليس بينه وبين أباطرة روما الذين كانوا يتسلون برمي العبيد وهم أسرى الحروب في ساحات يتقاتلون فيها مع الأسود والنمور والجمهور يصفق فرحاً برؤية حيوان يفترس البشر ، كل هؤلاء مارسوا براغماتية مفتوحة لا تقيدها أخلاق ولا قانون ولا إنسانية ومحركها الطاغي هو تطلعات الأنا الفردية وهي تجر جراً لأنواع أُخرى من الانحراف في مقدمتها الخيانات بكافة أشكالها ، فما أن تبدأ عجلة الأنا بالدوران حتى تسحق تدريجياً كل قيمة عليا وتجرد الأخلاق من مضمونها والدين من جوهره وتحول إلى أدوات تضليل لمواصلة تنفيذ أوامر الأنا .

فمن هو المتوحش والمتخلف إنسانياً ، هوامش البدو الذين أجبرتهم الطبيعة على النهب كوسيلة للعيش وهي وسيلة محدودة في نهبها وضررها أم الغربي المتقدم والواعي والمالك لثروات هائلة ، فلا يكون هناك حافز وجودي يجبره على النهب والإبادة الجماعية ؟ .

هل البداوه والريفية كلها سلبيات أم أن لها إيجابيات تطغى على سلبياتها ؟ .

هل البداوه تحكمها قيم مستنسخة من بعضها أم أن تكوينها يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن لآخر ؟

... يتبع .

Almukhtar44@gmail.com

25-4-2019

Featured Posts